التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

ثقافة الانهيار

أضيف بتاريخ ٠١/١٦/٢٠١٨
حميد اتباتو


نعود لحديث ال"هوامش"الذي بدأناه يوما  ما في الإعلام و الثقافة و الفن لتأكيد انتساب خاص أردناه أن يبدأ في الجغرافيا المنسية و ينتهي فيها ،وترجمة  قلق و جراح و خسارات وأشياء أخرى تعنينا من موقع هذا الانتساب الذي يهمه أن يبقي على القناعات التي نعتقد أن لا قيمة للوجود من دونها. ما يهمنا الوقوف عنده اليوم هو  السقوط الذي انتهينا إليه بعد أن سربلتنا ثقافة الانهيار بمنطقها الذي صار المبدأ و المنتهى.الانهيار كما ثقافته ليس قدرا من السماء، ولا خاتمة انسحابات ما قررها من واجه السقوط و قدم ما يعطله بالتضحيات الكبيرة و المسؤولية  والقبول بتأدية الثمن من الجلد الشخصي الحي، بل لقد كان الانهيار نتيجة زرع ورم التعفن في جسدنا العام، والقتل الممنهج لأشياء جميلة عديدة كانت تصنع بهاء العطاء الفاعل و الخلاق في الفن و الثقافة و العمل المدني و السلوك اليومي إلخ.

لقد كرس المهيمن قداساته و نموذجه و ذوقه و اختياراته في السينما و التليفزيون و الأغنية و المدرسة والوجود... عبر حصار المختلف و النقيض، وإكراهه على القبول بالنموذج، وجذبه إليه أكثر عبر أشكال براقة لدعم الثقافة و الفن والإعلام والسياسة، لم تستطع توفير التراكم النوعي الذي تحقق سابقا في مجالات عديدة بالاعتماد على ثقافة الفقير و التطوع الصادق و القناعة الخلاقة، والنضال البناء ، وهو ما نعود له في فرصة أخرى.ما برعت فيه قداسات المؤسسة الرسمية بالفعل هو تعطيل الثراء البناء كما بلورته أسماء و تجارب ، وكما فعل في تاريخ وطن لمرحلة تاريخية نطوي صدقها و فاعليتها تدريجيا عبر الخضوع الفاجع لثقافة النكوص و الخواء.

أشياء عديدة تؤكد تغير وجودنا العام بشكل إيجابي، وقد ساهمت أشكال التحديث في بصم هذا الوجود لكن ما يشده نحو الانهزام اقوى ، ليصير التحديث بملامح تلفيقية رهيبة، و الصورة الشاهدة على ذلك قطع مسار التحديث عن معانيه العميقة ومن بينها البناء الصلب لمشروع التحرر الوطني الذي بدأ في زمن سابق بتحرير الوطن ، ويجب أن يستمر اليوم بتحقيق العدالة الاجتماعية و المجالية و الثقافية  الرمزية...عدالة تنصف  المغلوبين من الناس و تعيد الاعتبار للجغرافيا المنسية ،و تحيي الأمل في تجفيف الينابيع التي تروي ثقافة الانهيار. 

من تدرب على المحن يبقى محكوما بالأمل، على شرط أن يتوفر بعض الضوء في وسط كل العتمة يسمح بالاهتداء لمنافذ هذا الأمل، ونعتبر الثقافة الفاعلة من صميم ما يبعث شعاع هذا الضوء، لهذا يكون الوقود الحقيقي لمقاومة  الانهيار هو بعث الرهان الثقافي في الثقافة و السياسة و كل حقول المجتمع.