التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

الثقافة والسياسة

أضيف بتاريخ ٠٢/١٣/٢٠١٨
حميد اتباتو


يراد لحديث الثقافة والإبداع عادة أن يكتفي بنفسه، وأن يتحدث كلاما تجريديا عن عوالم الخيال وسحر الإبداع، وخصوصية الكتابة بالمعنى الذي يقطعها عن حقيقتها الموضوعية  التي تبدأ في قضايا الإنسان ومدارات حريته و ديموقراطيته وما يرفع صوته و يزكيه  . يبدأ حديث الثقافة الحق في السياسة والمجتمع و ينتهي فيهما، لهذا يكون استحضار محن الواقع و بؤس السياسة من صميم ما يعطي للكتابة هويتها .

يرتكن  التعيين الكسول للثقافة لقول الكتب عن الكتب، ويكون تعريفها الفعلي بناء على ما تتحدد به في شرطها التاريخي، وما تجيب عنه من احتياجات هذا الشرط، فيكون معناها الديموقراطي مرهونا للقارئ  والإنسان أولا و أخيرا.هكذا تكون حرية الناس و عدالتهم و كرامتهم ومعيشهم الإنساني أهم ما يجب أن تنشغل به الكتابة الثقافية إبداعا كانت أم تنظيرا أم نقدا أم أشكالا من التفكير العقلاني.

أشياء عديدة تتلاطم في لحظتنا التاريخية الآن منها الحراك المدني بشمال المغرب وبباقي جغرافيته، وتغول المهيمن الاجتماعي، وإكراهه للكثير من مكونات المجتمع على الترويج لخطابه و منطقه ويقينياته و المسلمات العامة التي تسيد علاقات سيطرته وتعيد إنتاجها. هنا يكون للثقافة دورها في نقض أوجه الهيمنة وأشكال الخضوع لها، ليس كما تفرضها  أجهزة الدولة التي فكت ارتباطها مع خصائص الدولة بمفهومها المدني المتحضر والديموقراطي،  باعتبار طبيعتها غير المحايدة منذ الأصل في الوجود المتخلف، لكونها التحمت بالمهيمن تحميه وتشرعن ما يقوم به حتى  لو كان ذلك مناقضا لأبسط الأعراف والقوانين التي صاحبت نشأة  و تطور الدولة  بمعناها الحديث و العصري، بل كما تزكيه من موقع المهيمن،  أطراف و بنيات وجهات و مؤسسات عديدة ، حيث تعمل على إسناده و تبرير فعله، و اقتراح ما يغمم الفهم الموضوعي لقهره المعمم انطلاقا مما نسميه إيديولوجيا التعمية التي من مميزاتها تحييد وظيفة الثقافة والفن والممارسة الإبداعية من خلال تبرير حيادها والتنظير له والترويج لشبهة عضويتها كلما أرادت الانصهار في قضايا الناس واحتياجات سيرورة التحول الاجتماعي ونداءات الواقع والتاريخ.إنه ما تقوم به تصورات عن الثقافة والفن من داخل تنظيرات وإبداعات قواعد إبداع وممارسات ثقافية يتم التبشير بها، أو طرحها باعتبارها قواعد مقدسة لأي فعل أو مبادرة في المجال، أو من خلال ما يروج له بصدد  خصوصية الثقافة وحيادها وما يليق أو لا يليق بأهلها إلخ.

كانت الثقافة ممارسة من صميم الدلالة السياسية ستبقى، كما كانت واقعة تؤسس لمعناها بالانطلاق من الواقع  وليس من ذاتها كثقافة ، لهذا يكون من استحضار هذا الواقع ومحن الناس فيه، وطرائق الإدانة الإبداعية لأشكال قمع مبادرات تغييره كما يحصل هذه الأيام في منطقة الريف وباقي مناطق المغرب، وصيغ مواجهة الاعتداء السافر على كرامة المواطنين وتوثيق شهادات عنها  من صميم ما يعطي للتعبير الثقافي في وجودنا اليوم  طعمه وانتسابه حتى لا تغطي قداسات المهيمن وإعلامه على جراح  الواقع المفتوحة بسبب آلة سحق الكرامة والإنسانية كما تجسدت يوم 20 يوليوز و في تواريخ بئيسة أخرى لا تنتهي.إنه المعنى الحقيقة لعلاقة الثقافة بالسياسة كما يشترطها واقعنا المغربي هنا والآن.