التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

المثالي-البراغماتي

أضيف بتاريخ ١٠/١٣/٢٠١٧
مايكل يونغ


تحدّث الصحافي الكردي فاضل هورامي، في مقابلة معه، عن إرث الراحل جلال طالباني.

فاضل هورامي صحافي مستقل يتخذّ من كردستان العراق مقرّاً له. تخرّج في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، ويسهم بانتظام في صحيفة الغارديان وفي موقع المونيتور. عمل حتى العام 2014 لحساب صحيفة "هاولاتي" الكردية المستقلة، في السليمانية، كردستان العراق. أجرت "ديوان" مقابلة مع هورامي هذا الأسبوع عقب وفاة جلال طالباني، القائد السابق للاتحاد الوطني الكردستاني.

مايكل يونغ: ما الأمور التي ستبقى محفورة في الذاكرة حول جلال طالباني؟

فاضل هورامي: كان طالباني مفاوضاً مخضرماً، ومقاتلاً محنّكاً في البيشمركة، وقائداً كاريزمياً قادراً على إرساء التوازن بين المصالح الوطنية والإقليمية والدولية المتنافسة في العراق، وترقية القضية الكردية. وعلى الرغم من كونه في طليعة الحركة القومية الكردية، اعتبر أن على الأكراد والعرب أن يعملوا جنباً إلى جنب في العراق. وشكّلت تحية التقدير والإجلال التي وجّهها مختلف أقطاب الطيف السياسي العراقي إلى طالباني بعد وفاته خير دليل على كونه قوة موحّدة في بلد تتفشّى فيه الانقسامات. ويعتقد كثيرون في العراق أنه لو لم يمرض طالباني في كانون الأول/ديسمبر 2012، لما تفاقم الخلاف بين القادة السياسيين الأكراد والحكومة المركزية في بغداد إلى هذا الحد، ولما بقيت أوجه الخلل في النظام السياسي في كردستان طويلاً من دون حلّ.

كذلك، تمتّع طالباني بحسّ عالٍ من الفكاهة، وكان دائم الاستعداد لثني مبادئه لإنجاح المفاوضات وتجنّب الحرب.

يونغ: توفّي طالباني بُعيْد تصويت كردستان لصالح الاستقلال. كيف كان سيستجيب لهذا الإعلان؟

هورامي: يحمل علم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي أسّسه طالباني في العام 1975 شعار "السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان وتقرير المصير". ولا شك في أنه كان يؤمن بحق الأكراد في تقرير مصيرهم. لكن طالباني كان أيضاً براغماتياً ويعرف حق المعرفة بأن إيران وتركيا وسورية والحكومة المركزية العراقية قادرة على عزل الأكراد وخنقهم إذا ما قرّروا المضي قدماً في الاستقلال. لو بقي طالباني على قيد الحياة، لمارس ربما ضغوطاً على الأفرقاء من أجل التوصل إلى تسوية مع بغداد، بدلاً من إجراء الاستفتاء والمخاطرة بإثارة ردود فعل سلبية من جيران الأكراد وحلفائهم.

مثله مثل العديد من أفراد حزبه اليوم، كان طالباني سيؤيّد مطلب الاستقلال من حيث المبدأ، لكنه كان ربما سيفضّل إجراءه في توقيت مختلف. لو كان طالباني حاضراً لنزع فتيل التوترات مع الحكومة المركزية، كما فعل مراراً وتكراراً، لما كان الأكراد سيواجهون ربما هذه الظروف - الوطنية والدولية على حد سواء - التي دفعتهم في نهاية المطاف إلى إجراء الاستفتاء هذا العام.

يونغ: من سيحل محل طالباني في القسم الخاضع إلى سيطرته في كردستان؟

هورامي: يُجمع الأكراد على امتداد الطيف السياسي على أن فقدان هورامي يشكّل خسارة لاتعوّض. لقد حافظ طالباني على وحدة حزبه، الاتحاد الوطني الكردستاني، منذ تأسيسه في العام 1975 على شكل ائتلاف بين قوى وفصائل مختلفة. إلا أن هذا الحزب شهد تململاً في صفوفه منذ أن أُصيب طالباني بجلطة دماغية في العام 2012، فبات الحزب منقسماً إلى ثلاثة أجنحة.

يخضع الفصيل الأول إلى قيادة هيرو ابراهيم أحمد، زوجة طالباني والشخصية الأقوى في المجموعة، باعتبارها تتحكّم بمعظم الشؤون المالية للحزب والأجهزة الأمنية التابعة له. لكن هذه المجموعة لاتحظى بالكثير من الشعبية. أما المجموعة الثانية، فيتزعّمها كوسرت رسول، القيادي الكبير في الاتحاد الوطني الكردستاني. ويتولّى برهم صالح قيادة الفصيل الثالث، وهو ترأس سابقاً حكومة إقليم كردستان، وانشقّ مؤخراً عن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ليشكّل تحالفه الانتخابي الخاص، مافاقم تفكيك المشهد السياسي الكردستاني.

يُعدّ صالح على الأرجح الشخصية السياسية الكردية الأكثر شعبية في كردستان العراق، إذ يرى العديد من المواطنين الأكراد أن كردستان نعمت بالازدهار خلال الفترة التي أمضاها في الحكم بين عامَي 2009 و2012. وتربط صالح علاقات جيدة مع طهران وأنقرة وواشنطن، والأهم مع سائر الفصائل السياسية في بغداد. وقد وجّه انتقادات إلى النخبة السياسية بسبب انخراطها في الفساد وسوء إدارة الملف الاقتصادي. وفي حال إجراء الانتخابات، قد ينجح صالح غي تشكيل ائتلاف أكبر لمواجهة الأحزاب الحاكمة الأساسية.

مساء الثلاثاء الفائت، وفيما تجمّع المئات أمام مقر حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بعد الإعلان عن نبأ وفاة طالباني، اتّهم عددٌ من الأشخاص، في غمرةٍ من الحزن والغضب، القيادة بإضعاف الحزب بعد أن أُصيب طالباني بالمرض. وصرخت امرأة قائلة: "إما أن تتوحّدوا، أو سيعيّركم الشعب".

يونغ: كان طالباني رجلاً كثير التناقضات. كيف نجح في الجمع بين كل هذه التناقضات؟

هورامي: سأل مسؤول أميركي طالباني عن علاقته الوطيدة بإيران، فكان جوابه: "الناس يختارون أصدقاءهم، إنما لايختارون جيرانهم". اضطرّ طالباني، باعتباره قائداً في منطقة حبيسة، إلى التعامل مع دول مجاورة لطالما أنكرت وجود الشعب الكردي، وقصفته بالأسلحة الكيميائية، وقتلت بعضاً من رفاق طالباني المقرّبين. لكنه، وعلى الرغم من كل شيء، جلس على الطاولة نفسها مع أشخاص ارتكبوا إبادة بحق الشعب الكردي وقبّلهم على خدّهم.

إذاً، تنازل طالباني وجلس مع أشخاص كانوا مسؤولين عن اغتيال صديقه المقرّب، عبد الرحمن قاسملو، قائد الحركة الكردية في إيران، في إطار مخطّط حاكه مسؤولون في طهران وتم تنفيذه في فيينا العام 1989. لابدّ أن طالباني اتّخذ هذا الموقف اعتقاداً منه أنه يصبّ في صالح الأكراد على المدى البعيد. في مذكّراته التي نشرها أحد أصدقائه في وقت سابق من هذا العام، تحسّر طالباني على الأخطاء التي اقترفها، ومن ضمنها انخراطه في الحرب الأهلية الكردية التي دامت، على نحو متقطّع، أكثر من ثلاثة عقود من الزمن.

المصدر