التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

المستبدون الأحرار

أضيف بتاريخ ٠٩/٢٨/٢٠١٧
محمد ناصر علي


الصراع بين المستبد والشعب المستعبد صراع طويل وممتد، ويأخذ مسارات ملتوية، وبعد قيام ثورة ضد المستبد، وفي جولة من جولات هذا الصراع، يتحول الرافعون لشعار الحرية إلى مجموعة من المستبدين القساة الأشد بغياً من الحاكم المستبد الذي تمت الإطاحة به، في الثورة الفرنسية مثلاً رفع الثوار شعار الحرية والإخاء وحقوق الإنسان، ومع ذلك أقام الثوار الفرنسيون مجزرة في مقاطعة فاندية ١٧٩٣ – ١٧٩٤، قتلوا فيها ١١٧ ألف إنسان، فقط لأن أهل المقاطعة ثاروا على الثوار الجمهوريين، وفي الثورة الفرنسية نفسها وصل الحال بالدهماء إلى أنهم أصبحوا قضاة يساق إليهم الناس ليحكموا عليهم من خلال أشكالهم لا من خلال الأدلة، ولكن تبعاً لمزاج القضاة من هؤلاء الدهماء، في روسيا بعد قيام الثورة البلشفية التي قضت على حكم القيصر المستبد،

تحول ستالين بعد فترة إلى مستبد أكثر شراسة من القيصر، وفتك بأصدقائه واحداً تلو الآخر، في مصر بعد انقلاب يوليو ٥٢ أطاح العسكريون بملك ليصبحوا ١٩ ملكاً، وعلت نبرة المزايدة بينهم، فأكلهم عبد الناصر واحداً تلو الآخر لينفرد بالسلطة، وبعد ثورة ٢٥ يناير التي عصفت بالمستبد مبارك ظهرت مجموعة من المستبدين المثقفين والثوريين، ما أدى إلى الانقلاب العسكري على الرئيس مرسي، وهنا انقسم المصريون إلى مؤيدين للانقلاب ومناهضين له، وامتلأ المعسكران بالمستبدين من كل نوع، صحيح أن المساواة بين المعسكرين ضرب من الظلم الفادح،

فمعسكر الانقلاب تحول إلى مجموعة من القتلة والمغفلين والمتربحين، بينما المعسكر المناهض امتلأ بالحالمين والأنقياء والذين دفعوا ثمناً غالياً للدفاع عن ثورة يناير، بعضهم دفع الثمن حياته أو حياة أولاده، وبعضهم اعتقل بلا سبب، وبعضهم اغترب عن وطنه، ولكن ظهر أيضاً داخل معسكر الشرعية مجموعة من المستبدين الأحرار على غرار دهماء ثورة فرنسا، فأصبحوا يقيمون المحاكم لكل من يرونه مخالفاً لآرائهم الثورية،

فمنهم المثقفون، ومنهم من لا قيمة له، وحولهم طائفة من الدراويش التي توقد نار المزايدات المجانية، ولا يمنع أن يندس بينهم موظفو اللجان الإلكترونية لرفع نبرة المزايدات، وتشويه الصف المناهض، ورفع سقف الاستبداد، ولكنه استبداد بطعم الشرعية، هؤلاء المستبدون الأحرار لا يختلفون كثيراً عن أي مستبد، فهم يرفعون شعار حرية الرأي ولكنهم لا يطبقونه، ويسعون إلى اغتيال كل من يخالفهم، حتى ولو في صفهم، ولكنه اغتيال معنوي، ولو جاءتهم الفرصة لفعلوا مثلما فعل دهماء فرنسا وأقاموا المحاكم والمشانق، فشعارهم نفس شعار المستبد العسكري (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)، فالسيسي أخرس الألسنة،

واعتقل معارضيه الذين كانوا يوماً ما مؤيديه، ولو امتك المستبدون الأحرار الفرصة لفعلوا مثلما يفعل السيسي بالحرف، يا سادة، من يرفع راية الحرية عليه أن يطبقها على نفسه أولاً، ومن يكره الاستبداد عليه ألا يتحول في سبيل ذلك إلى مستبد، صحيح أن الوضع الآن في مصر صار أسوأ، فمبارك أصبح مليون مبارك بأطعم مختلفة ونكهات متغيرة، لكن هذا الوضع متعارف عليه في تاريخ الثورات، ويبقى الأمل الوحيد في أن نتخلص من الانقلاب العسكري في مصر، وتعود ثورة يناير إلى مجراها الصحيح، لنتخلص من كل مستبد تحت أي راية وبأي طعم، ويؤمن الناس فعلاً بحرية الرأي والفكر، ويطبقون هذا الإيمان بدون خوف ولا قامع أو مقموع.;

العرب