التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

هنري ليفي.. فيلسوف القميص المفتوح

أضيف بتاريخ ٠٧/٢٦/٢٠١٧
أيوب المزين


كثيراً ما أثارت "نظرية المؤامرة" صراعات محتدمة داخل الأوساط الثقافية والسياسية في الغرب والبلاد العربية. ولعقود متتالية، تناسلت حولها أساطير قسمت مخيال النخب والجماهير وآراءهم، بين مُعتقد راسخ ومُشكّك ساخر، حتى بلغ الأمر بالمتطرفين منهم مبلغاً من الهوس والوسواس يتعذر معه التفكير. إنّ حاجة الإنسان الحديث للغرابة والقتل، لا تقل عن حاجة القدامى للحكايات العجيبة والدموية، ولا عن حاجتهم للحيوانات الميتافيزقية التي أخذها الطوفان قبل تشييد السفينة. 

لكن برنار هنري ليفي (بني صاف، 1948) ليس خرافة ولا تنيناً برؤوس ثلاث. قد يكون مخلوقاً أسطورياً لقصة واقعية معاصرة، إنّه غوليم حقيقي خارج لتوه من الكتاب المقدس، من بين ثنايا الآية 16 في المزمور 139، لكنه بالتأكيد ليس خرافة. عندما سطع نجمه في فرنسا، منتصف السبعينات، كان قد انسلخ شيئاً فشيئاً عن الصرامة المعرفية لأستاذيه جاك دريدا ولوي آلتوسير، اللذين ولدا بدورهما في الجزائر الفرنسية، واختار لرغبته أن تنحو منحى "التزام" حربائيّ أهدافه إعلامية وتجارية وإيديولوجية في غاياتها، مقنّعة بنموذج كامو ومالرو، ومدجّجة بتعاليم الحاخامات وبنوستالجيا المحرقة والسّبي والشتات، البابلي ثم النازي.

سرعان ما جعل ليفي من هذا "الالتزام" الفكري وتلك الحيوية التسويقية، التي بلغها عبر التحالف مع وسائل الإعلام، ومع عدد من رجال السياسة والسلطة، سبيلين لدخول معارك لامتناهية، بدأها ضد الماركسية وجعلها تمتد إلى شتى مواضيع الجدل وبقاع التوتر عبر المعمور، من العقلانية واليهوديات إلى أزمات أوروبا الشرقية والإسلام وانتفاضات الشعوب في إفريقيا والشرق الأوسط. ثلاثة أخبار طارئة يمكننا، عبر مطالعتها، رسم بورتريه لـ"فيلسوف القميص المفتوح"، قد تضاف إليها علاقته بالعالم العربي، وبما صار ويصير فيه. الخبر الأول متمثل في عرض ليفي بيته في طنجة للبيع بسبعة ملايين دولار. والخبر الثاني، هو تخصيص موقع جريدة "لوموند ديبلوماتيك" ملفاً مجانيّ التصفح يجمع أرشيف ما نشر عن ليفي على مدى عقود. أما الخبر الثالث، فهو استقبال الرئيس إيمانويل ماكرون له في الإليزيه من أجل عرض خاص لريبورتاجه "معركة الموصل" بحضور عسكريين ومثقفين وضيوف شرف من كردستان العراق. كيف يتسلل المفتون إلى النصوص والمظاهرات وإلى القرارات السيادية لدول مختلفة؟ حتى الفاتيكان يا برنار؟ هل تحفظ الكابالا السحرية وتتلاعب بملكوت الله؟

رِبا الأفكار ووهم التنوير
إنّ رأسمال المُرابي هو الوقت لا النقد. ومن خلال اكتساب الوقت، يُرابي في المال والمعارف والموتى. يستبدّ بمستقبل المدين ويشارك الله في قضائه. لذلك أعلنته المحمدية عدواً للرحمن. أحلّ الله البيع، وحرّم الربا. الرابي أيضاً (rabbi) هو الحاخام نفسه الذي يجتهد ويربو نحو الحق. يتذكر ليفي، في كتابه الأخير، حكمة أخبره بها الأديب ألبير كوهين، مفادها أن "الوقت ضروري للغاية. لم يكن لنا (اليهود) لزمن طويل غيره، الوقت. لم تكن لنا أرض ولا دولة ولا جيش، كنا الشعب المُعدِم في الكون، لكن على الأقل كان لدينا الوقت، وهنا تمثلت ثروتنا، وهنا موردنا الأعظم". حكمة كوهين هذه لم تكن غائبة عن ليفي، فقد مارسها، مستثمراً الوقت في التنقل من بنغلاديش إلى أفغانستان والبوسنة، انتهاءً بالقاهرة وطرابلس؛ استثمر الوقت وأطروحات التحرير والتنوير في "قضايا المستضعفين" الذين يكنّ لهم شفقة مسيحية، مع أنه يهودي. 

لا تهمنا هنا يهودية ليفي، ولا حتى صهيونيته، بقدر ما تهمنا استراتيجيته الوقتية تلك، فهي الأداة التي أتقن استعمالها جاعلاً من ثقافة الموضة، ومن انبهار معاصريه بها، سلاحه المستحيل لخلق "الحدث" عبر الترويج لكتب وأفكار تغلغلت بقوة المال والإعلام في الأوساط الفكرية والسياسية الغربية والعربية. 

لا شك إذن أن ليفي يحمل مشروعاً "تنويرياً" أخذ طابعه الاستعجالي منذ بدايته، وهو تنوير رأسمالي مبني على المراوغة القولية والبلاغة اللغوية والاستدلال الإغرائي، تنوير واجهه عدد من "العقلاء" الأوروبيين، يميناً ويساراً، لا لأنه ضد "العقلانية" التي يعتبرها ليفي منبع الاستبداد والديكتاتورية، لكن لأنه مبني على تسويق الوهم وتسريع الزمن لتنفيذه حتى لو تطلب الأمر العبث بالتاريخ وتبديل صديق بعدو وعبراني بعربي وإسرائيلي بفرنسي: كأن يقول بأن هوية بروست اليهودية هي التي جعلته يُحلّق باللغة الفرنسية، أو يقارن بين مقاومة الجمهوريين للفاشية في إسبانيا في العام 1936، وبين الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، أو يجعل من الكاتب التونسي الراحل عبد الوهاب المؤدب شاعراً عربياً كبيراً، ثم يهاجم تشومسكي ويتهم جان جينيه بالتلصص على الأعضاء التناسلية للفدائيين في "أربع ساعات في شاتيلا"، مقدماً إياه كمهووس جنسي، ومشبّهاً المقاتلين الفلسطينيين بقوات الفيرماخت الألمانية، أو يتباكى على ما قامت به بعض الدول العربية من طرد لمواطنيها اليهود، علماً أن "فيلسوف القميص المفتوح" كان نفسه يدفع إلى تهجيرهم وتحويلهم إلى أشباح داخل الكيبوتسات.

من الرهبنة إلى الفتنة
ليس الكائن المفتون بالضرورة، شخصاً وقع عليه فعل الفتنة، فقد يكون مفتوناً بطبعه، شرب الفتنة من ثدي أمه الطيبة أو من ضرع كلبة مسعورة، وكبر هكذا مفتوناً وانشغل بفتنته. ترهبن مع الفتنة. لا وقت يضيعه في شفاء نفسه منها. قد تنام فتنته، لكنه لا يفعل. يحرسها. راحته فيها وفي إذاعتها، لتغفو لديه وتحلم بتكاثرها عند الآخرين. يقول برنار، متحدثاً عن عرض بيته في طنجة للبيع عبر موقع "بلومبرغ" العقاري: "أمضي جزءاً من وقتي بين باريس ونيويورك ومرّاكش. عندي منازل كثيرة حول العالم. للأسف، ليس في السنة الواحدة إلا 52 أسبوعاً". هكذا، بمجرد ما تكثر الفتن، يتخلص الرابي من بعض أملاكه ليستثمر في فتن أخرى. وليتفرغ لحروبه التي "يدخلها من دون أن يحبّها": فقد أعلن قبل أيّام حرباً على جريدة "لوموند ديبلوماتيك" بعدما خصصت ملفاً يوثق لـ"فكره السلبي"، كما نعَتَه السوسيولوجي بيار بورديو، ويرصد "مواقفه الخطيرة منذ أربعين عاماً". وما كان لليفي إلاّ أن اتهمها بنشر فكر المؤامرة ودعم الأنظمة اليسارية الشمولية. قد تكون تلك الجريدة مغالية في عقيدتها "الممانعة"، وتعبّر هي الأخرى عن إيديولوجيا غربية لا تقل فتنة عن أطروحات ليفي، لكنها عاجزة عن مجاراته في رهبنته. 

الترحال بين النص والأرض، الهجرة التي يتنقل إبّانها ليفي من ممارسة الرهبنة إلى خلق الفتنة وإدارتها، إما عبر فتح النار على المختلفين معه في الأدب والتفكير والفن وتهميش إنتاجاتهم، وإما بإسداء النصيحة للمتمردين والزعماء، من بن غوريون إلى فرانسوا ميتران وشيراك وأحمد شاه مسعود وثوار التحرير والساحة الخضراء وحتى ماكرون، أصغر رؤساء الجمهورية الخامسة، بل وللاهوت المسيحي والإسلامي كذلك. يكتب ليفي في "روح اليهودية": "... فلنتخيّل تلموداً مسلماً. ولنتخيّل الذكاء المسلم الكبير منطلقاً لإنقاذ نفسه ولإنقاذ القرآن، كما فعل اليهود مع التوراة. ولنفترض أئمة، عارفين، حكماء الإسلام يُخضعون الآيات المكرسة على سبيل المثال للجهاد، وللشريعة وللأمة لعمل التعليق هذا، لعمل مراجعة النفس، ولإحياء وربط المعنى الذي عبّر عنه اليهود ويسمى التعلم". لعل ليفي ينسى هنا أنّ ما يقترحه على "المتنورين" من علماء المسلمين، بغية قطع الطريق على الدولة الإسلامية، هو تماماً ما دفنه قادة الصهيونية أثناء تأسيس دولة إسرائيل وإرساء دعائمها. 

لا يمكن لبرنار هنري ليفي أن يكون جزءاً من "نظرية مؤامرة"، إنما هو واحد من مهندسي أطيافها وأوهامها ونزاعاتها، في الممارسات الجمالية والسياسية الراهنة. إنه متكلم حاذق كما الـ"سنهدرين" الذين حاوروا عيسى وسفّهوه. حيثما أدرت وجهك ستجده هناك، على باب المعبد والمتحف، وعند ساحة القتال ومدخل البرلمان، يعبث بالمقولات الدينية والفلسفية، وبالمناهج الفنية والخطط الحربية، وكذلك يفعل في الموسيقى والسينما (أخرج فيلم "الليل والنهار" – تمثيل زوجته آرييل دومباسل وآلان دولون). عندما تتعبني أخباره وينهكني نواحه المصطنع، أصغي لمقطوعة "الميلوديا العبرية" للعازف جوزيف هاسيد، وأنا أفكر في ثقل التوراة وأشجان التهجير، وكي لا "نصبح نحن يهود التاريخ، ونعوي في الصحراء بلا مأوى"، وحتى لا يشتد الحمل وتتعاظم الفتنة، أتابع الترتيل في المصحف: ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا.