التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

فاسبيندر وكافكا: حكاية العرب كما يرويها الجرمان

أضيف بتاريخ ٠٨/٠١/٢٠١٧
أيوب المزين


يجتمع كل من راينر فيرنر فاسبيندر(1945_1982) وفرانز كافكا(1883 _1924) في اللغة والأرق والموت المبكر والقرب من العرب. إنهما من أهم النماذج التراجيدية للعبقرية الفنية في أوروبا خلال القرن العشرين، وأكثرها إثارة للسجال في الأوساط البحثية حتى اليوم. لقد كان كافكا يهودي الثقافة، أمضى أيامه ولياليه بين شركة التأمين ومكتبه المنزلي، يقضي حوائج الزبائن نهاراً ويراسل الحبيبة والأب في المساء، حتى ينفصل عن مؤسستي الزواج والأسرة من خلال الكتابة عنهما. أما فاسبيندر فهو مسيحي، فضّل يسوع على مريم، واستهدف إغراق المسرح والتلفزيون والسينما بالميلودراما والسخرية المزعجة. ولد فاسبيندر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية على الأراضي الأوروبية، أي بعد انهيار الرايخ الثالث بأسبوعين. أما كافكا فقد مات بين الحربين، متأثرا بسوء التغذية والسل، في عز الأزمات السياسية والاقتصادية التي عرفتها النمسا وقتئذ. وعلى الرغم من تعدد أوجه التشابه، تبقى المقارنة بينهمامجازفة مليئة بمَواطن الشُّبهة. هل قرأ كافكا "رأس المال"؟ هل طالع فاسبيندر "بنات آوى وعرب"؟ وما الذي قد يجمعهما بشعب ثالث (العرب) غير شريعة موسى وأشباح المحرقة؟

عندما ذاع صيت فاسبيندر في الأوساط الفنية مطلع السبعينات، كان المجتمع الألماني يخرج شيئا فشيئا من صدمة الهزيمة ويرمّم بعضا من هويته المسحوقة بالحرب والمعاهدات. فقد اختارت البورجوازية الألمانية مثلاً، وهي الطبقة التي كانت تنتمي إليها أسرة فاسبيندر، بتقية حذرة، أن تجعل من اليهودي "آخرها" المنبوذ، خاصة مع احتدام الصراع بين البروليتاريا والأرستقراطية. فيما خلق اليمين لنفسه عدوين جديدينهما الشيوعية على مستوى السياسة الرسمية، والمهاجرون في خطابه الشعبوي. في مسرحيته "الأزبال، المدينة والموت" (1976)، حاول فاسبيندر رصد جزء من هذه التحولات الاجتماعية والنفسية لدى الألمان، لكن عرضه مُنع وسُحب النص من المكتبات، بعد اتهامه بالترويج لليسار في ألمانيا الغربية، وبالانتماء لـ"فاشية الحمراء"، حتى وصل الأمر إلى وسمه بمعاداة السامية. اتهام لم يكن دارجا، ولا رائجا بالمعنى الإيديولوجي الغليظ، عندما أرسل كافكا عام 1917، قبيل وعد بلفور ببضعة أشهر، مجموعة من نصوصه لمارتن بوبِر، صاحب مجلة "اليهودي"، مخاطبا إيّاه: "أسألك ألا تسمي هذه النصوص بالاستعارات. إذا أردت عنوان للاثنين ("التقرير" و"بنات آوى وعرب")، ربما يكون: حكايتان عن الحيوانات".

الانحدار نحو الجحيم
على عكس كافكا، لم يكن فاسبيندر منتظما في حمية غذائية أو داخل إدارة بيروقراطية، ولا مواظبا على تقشف حسي يبعده عن ملذات زمنه. إنّه تمازج جذري بين الجنون الرومنسي والطموح الهوليودي، في اصطدامهما المباشر مع قيم وسيادة أمة مهزومة، جسّد من خلاله راينر جدال المجتمع والثقافة في ظل رُهاب عودة النازية. يقول في حوار مع جريدة "دي زايت" بتاريخ 11 مارس 1977: "(...) إنّ هذا النظام القيمي البورجوازي هو نفسه الذي يجد لنفسه مسكنا في إيديولوجيا القومية الاشتراكية دون أدنى صعوبة، لكنه أيضاً يمتد إلى مجتمع اليوم، ومن هنا تأتي الحاجة لمعارضة هذه الحكاية من جديد".عندما يواجه فاسبيندر ما يسميه بـ"النظام القيمي البورجوازي"، فهو لا يقصد البنية الطبقية فحسب، وإنما يتحدث عن أخلاق دينية محافظة هاجمت مواقفه الجمالية والسياسية، وسخرت من مثليته الجنسية ومن علاقته بعشيقه وممثله المقرّب، المغربي الهادي بن سالم. لعلّ قصة فاسبيندر بالعرب لم تبدأ هنا، من لقاءه بالهادي داخل حمام تركي في باريس، بل ترجع إلى تصنيفه "شبهةً" كمثقف معادي للسامية، خاصة بعد تفاقم تبعات الحرب العربية الإسرائيلية للعام 1967. 


لا يمكن اعتبار فاسبيندر فنانا ملتزما على النحو الذي كان قائما في الأوساط اليسارية الفرنسية، وحتى إذا ثبتت عليه "شبهة" معاداة السامية، بفهمها اصطفافا إلى جانب الفلسطينيين ضد الصهيونية، فلا يمكن أن نجد لها تفسيرا خارج مشروعه الفني القائم على خلخلة الممارسات الاجتماعية للألمان بعد الحرب، وفي غير علاقته المعقدة بالهادي بن سالم. أسند فاسبيندر للهادي عدداً من الأدوار، كان أوّلها في فيلم "تاجر الفصول الأربعة" (1972) وآخرها دور العاهر الإفريقي في فيلم "فوكس وأصدقاءه" (1975)،لكن أهمّها يبقى دور المهاجر العربي في فيلم "علي: الخوف يلتهم الرّوح" (1974). يقحم فاسبيندر الهادي في أحداث الفيلم باسمه الحقيقي المركب. يقول الهادي في دردشته مع إيمي، الزوجة الألمانية المحتملة: "اسمي ليس عليّ، لكنهم ينادونني عليّ (...) اسمي الهادي بن سالم مبارك محمد مصطفى". لا يكتفي فاسبيندر بجعل هذا "العربي"، بجنيالوجيته المستفيضة، جزءاً من نقاش الزواج المختلط، بل يدفعه دفعاإلى صلب الصراع القديم: يجعله يتحدث، وجها لوجه، وبألمانية ركيكة، مع البقال اليهودي. كأني به يقول: ها قد جلبنا لكم العرب، من الصحراء حتى هنا، فأرونا ما أنتم فاعلون!

كافكا في حديقة الحيوانات
إنّ علاقة كافكا بالعرب تبدو أكثر تعقيدا من علاقة فاسبيندر بهم، وذلك نظرا لتداخلها ليس فقط مع واقع سياسي وعائلي متوتر عاشه صاحب "مستوطنة العقاب" بداية القرن العشرين، وإنما لاتصالها بانشغالاته الأدبية الدفينة والتصاقهابتراث ثقيل ينتمي إليه. فإذا كان فاسبيندر قد سافر في رحلة ترفيهية إلى صحراء شمال إفريقيا (الجزائر وتونس) لزيارة عائلة عشيقه الهادي، ولاستقدام أبناءه إلى ألمانيا من أجل توطيد العلاقة به، أو شفقة على أهله، فإنّ كافكا أرسل واحدا من شخصياته، مهما كانت "هامشية"، فهي تصير الآن "مركزية"، إلى صحراء فلسطين لتحاور أحفاد إسماعيل وتستقصي غيرة الضرائر، سارة وهاجر. يقول دولوز معلقا على قصة "بنات آوى وعرب": (...) بين بنات آوى والعرب يوجد على الطرف رجل الشمال، بمعنى صاحب بنات آوى (...) تقوم بنات آوى بالانفراد برجل الشمال وتخبره بأن العرب مقرفون، وهم مقرفون لأنهم يقتلون البهائم لكي يأكلوا. ويقتلون العجول لكي يأكلوا. إن هذا حقا الهوس الأساسي لدى كافكا: من أين يأتي الطعام؟". يفتح تعليق دولوز، وهو مقتطف من محاضرة ألقاها في فانسان سنة 1973، فهما مغايرا وبعيدا عن الاستسهال الإيديولوجي الذي يمارسه المترصدون، من العرب والصهاينة، لإشراك كافكا في معركة قد لا تكون معركته. 

اعتمد أستاذ السينما والمخرج الوثائقي البريطاني آدم كوسوف في عمله "كيف يكرهوننا" (2016) على قصة كافكا ذاتها، وصورخت عدد من المناطق الفلسطينية المحتلة التي أقيمت عليها تشييدات إسرائيلية مع قراءة للنص بصوت الممثل الفلسطيني محمد بكري. تفتتح الفيلم ثلاث نساء عربيات بإطلالة على الشاطئ، ويرافق المشهد تعليق يذكرنا بأن إسرائيل قد تملّكت أرشيف كافكا من سكرتيرة صديقه ماكس برود، وبأن يهودية الكاتب تجعل من أعماله مِلكا لإسرائيل. يضيف دولوز: "(...) تقول بنات آوى أن الأمر لا يمكن أن يستمر على هذا الشكل، وتقلن: نحن على نقيضهم، نأكل لكي ننظف الجيف. إما أن نقتل البهائم الحية للأكل أو نأكل لتنظيف البهائم الميتة. هنا التوتر القائم عرب/بنات آوى. هناك رجل الشمال، وبنات آوى تقول له: عليك أن تقتل العرب، ثم يأتون بمقص كبير. لن أؤكد حتى على ما قد يفعل به علماء النفس التحليلي بهذا المقص. كل شيء يحدث في الصحراء". لم يسافر كافكا إلى فلسطين، ولم يكن مهتما على نحو ظاهر بتلك القضية. ومهما تكلفت الدراسات النقدية في إيجاد التأويلات والتبريرات، تبقى حكاية العرب كما يرويها لنا كافكا مبهمة وقابعة في لاوعيه المتعدد. 

في فيلمها الوثائقي "اسمي ليس علي" (2011)، تتعقب المخرجة المصرية الألمانية فيولا شفيق آثار الهادي بن سالم في صحراءَ قد لا تختلف كثيرا عن تلك الصحراء المعاصرة التي جعل منها آدم كوسوف ديكوره الساخر من محاولات تحويل كافكا إلى صهيوني ملتزم. كان هدف شفيق، على ما يبدو، نقل شهادات أسرة الهادي وأصحابه وزملاءه الألمان: زوجته وأبناءه، وعدد من الذين عايشوه من ممثلين وتقنيين. تارة، لتنقل لنا دهاء فاسبيندر ونرجسيته، وقدرته على التلاعب بمن يحيطون به، من أجل تحقيق طموحه المهني وشهواته الفنية، وتارة لـ"تدين" من خلال دموع زوجة الهادي تنكره لأهله وعشيرته ولاسمه. لا تشفق عينك. نفس بنفس. عين بعين. سن بسن. يد بيد. رجل برجل. يهدي فاسبيندر فيلمه "خصام" (1982)، المقتبس عن رواية "خصام بريست" لجان جينيه، إلى ذكرى الهادي. تظهر المطربة والممثلة الراحلة جين مونرو في الفيلم وهي تغني: "كل رجل يقتل ما يحب". هل كان اسمه علي؟ هل كان مغربيا أم جزائريا أم تونسيا؟ أمازيغي أم عربي؟ في أي صحراء مات وبأي سلاح قتل؟ هل أكلته بنات آوى يا ترى؟