التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

الموقع الثقافي ومنطق التعمية

أضيف بتاريخ ٠٥/١٢/٢٠١٧
حميد اتباتو


تبدو الثقافة يتيمة في الواقع المغربي فاقدة لفعلها ووظيفتها ليس لأن الواقع لم يعد بحاجة إليها بل لأن تسييد منطق التعمية من طرف المهيمن الاجتماعي وأجهزته الإيديولوجية أكره الثقافة الفاعلة على الانزواء، وفسح المجال لثقافة الإعلان المسنودة بالمال وقنوات الترويج والقداسات الفولكورية التي أصبحت، بفعل كثافة حضورها، تعد بديلا للثقافة الحقة بل كأنها ما يعين الثقافة ولا ثقافة غيرها. وما يعد مدخلا لفهم المآل الذي انتهت اليه الثقافة الفاعلة ورهاناتها هو الوقوف على أوجه التباسها، وعلاقة ذلك بواقع الهيمنة وبالوظائف الإيديولوجية الموكلة إليها في هذه اللحظة التارخية، لقد التبست دلالة الثقافة بالتباس موقعها في واقعنا  بسبب ثقافة التغميم المقصودة التي تفرزها علاقات الهيمنة في المجتمع خدمة للبس الذي يخدم كثيرا تأبيد الاستغلال واللاعدالة الاجتماعية.فمن خلال الواجهة الإيديولوجية يتحقق الكثير مما يخدم علاقة الصراع السياسية و موقع المهيمن فيها.لقد كان الصراع الإيديولوجي دوما  واجهة للصراع الاجتماعي وأن يتم النظر إلى الثقافة من خارج واقع الصراع الاجتماعي و وظيفتها داخلها يقتل معناها، وهذا بالضبط ما تكشفه النظرة إلى هذا الحقل من مدخلين بارزين على الأقل هما. 

 

1 – مداخل تعطيل الفعل الثقافي 

الأول هو مدخل الهيمنة حيث يكرس المهيمن اجتماعيا نظرة للثقافة عبر كل وسائله الإيديولوجية ، و هو ما يمكن أن نسميه(ثقافة القنوات التلفزية المغربية)التي جعلت من أجواق السطوح و الأعراس أساس المادة  الغنائية المراد التمثيل بها لإبداعية الغناء المغربي ، وجعلت من الساقط إبداعيا و فنيا و فكريا نموذجا للإبداع الدرامي المغربي و الدليل على ذلك ما يقدم من أعمال مسرحية محسوبة على المسرح المغربي دون أن تعكس غالبيتها الصورة الإيجابية لهذا المسرح على المستوى الفكري و الجمالي .أكثر من هذاإن أغلب ما يقدم يعكس حقيقة الإفناء المقصود لكفاحية و عمق المسرح المغربي الحقيقي كما عرفناه مع تجربة الهواة الرائدة و مع بعض المحترفين الكبار قديما و حديثا ، والذين مزجوا القناعات الفكرية للهواة بالإتقان الإبداعي الاحترافي وخصبوا كل ذلك بالتكوين الأكاديمي أو الثقافي الصلب. إلى جانب هذا صيرت النظرة المهيمنة فنا كبيرا هو السينما مجالا للانتفاع بالنسبة للكثيرين ، وحقلا للحرث في الريح ما دام أن ما ينتج لا تتاح له فرص لملاقاة الجمهور الذي أنتج من أجله وهو الجمهور المغربي بل، إن السينما أصبحت ،حسب البعض، ممارسة خاصة بالذات المبدعة لها تقول من خلالها ما يعنيها كذات مقطوعة ،كما عملها ،عن الواقع والناس ولنا في الكثير من النماذج  ، التي نخصص لها ما يناسبها من حديث في المواقع المواتية لذلك ،أكثر من دليل لتاكيد ذلك . ثقافة الإعلان المهيمنة سخفت معنى الكوميديا وجعلت من الضحك على الناس مادة للفكاهة المغربية ولنا في أنواع الوان مان شو و الثنائيات و فكاهة رمضان ما يثبت ذلك.إن قتل معنى الثقافة  هو ما يمكن أن نقف عنده في برامج التعليم  في المدرسة المغربية حيث تمجد القيم الثقافية و الرمزية للمهيمن و ليس لفئات للشعب المغربي المغلوبة ، و لذلك تبدو المدرسة مقطوعة عن محيطها ، ويبدو ما هو ثقافي  داخلها بمثابة ثقل لايحتمل . 

المدخل الثاني أكثر خطورة وما ينشغل به هو تشييد التعمية بصدد دلالة الثقافة من الموقع المفترض أن يكون مناقضا  للمهيمن و تتجاور فيه فئة من السياسيين و المثقفين و المبدعين الذين ينشغلون أكثربتسخير خطابهم لتعميق التعمية من خلال تبني مواقف تبدو ظاهريا أنها رافضة للنظرة المهيمنة ، لكنها  تنعشها  وتخدمها بل ما تكثفه هذه المواقف هوتمجيد الهيمنة و ذلك ببساطة لأنها في مسعى رفضها لها  تنطلق من موقع المهيمن نفسه ، و لا تحقق رفضها بصيغة ممارسة تنقض أسس الهيمنة . بصدد مثل هذا الوضع يقول الكبار إن رفض الواقع الاجتماعي من موقع المهيمن يقود إلى تابيده و الحفاظ عليه ، فالرفض لا يحقق قيمته في تحققه كرفض بل في تحققه كممارسة تدفع إلى زوال ما هو مرفوض اعتمادا على الأدوات الخاصة بهذا الرفض ، و هكذا يكون على ممارسة الرفض من الموقع الثقافي الانخراط في نقد الأسلحة الثقافية و تطويعها لفضح الهيمنة و تحقيق الممارسة الثقافية كنقيض بصيغة ثقافة كفاح و ممانعة و نضال و انخراط عضوي في السيرورة الاجتماعية، دلالة الثقافة في تاريخ الثقافة و في مجتمعنا المغربي ليست كما يريدها المهيمن و علاقات إنتاجه السائدة ، أي أن تقتات من فضلات الموائد و نعم الحاكم ، و ليست وهما مثاليا مقطوعا عن سياقه المادي بل هي شكل إنتاج اجتماعي يمليها زمانها ، و احتياجات شرطها التاريخي . تاريخ التنوير لا تاريخ الظلمات و تاريخ المعرفة العلمية لا تاريخ الأوهام الإيديولوجية و تاريخ الصراع من موقع المغلوبين لا تاريخ التمجيد للغالب و كل هذا يعني أن الثقافة يجب أن تكشف الخطابات المكرسة للتعمية حيثما وجدت لكن هل بمقدور ثقافة زمن الانهيار إنجاز مثل هذه المهمة؟ 

2- انهيار الثقافة في زمن السقوط 

انهزم الواقع وانهزم الناس والأمل و القناعات في هزيمة الواقع،وما يبدو مأساويا في كل هذا هو انسحاب أطراف عديدة من مهمة التموقع في الصراع الاجتماعي واستعجالها إعلان موت الصراع و التموقع فيه، أكثر من هذا تسخيفها لأي حديث عنه وعن ضرورة دعم الخاسرين. قد يجد السياسي ما يبرر به انسحابه لكن أن يسعى المنتسب للثقافة إلى تبرير حياده مسألة أكثر من عبثية .طبعا قد يبدوالكفاح إلى جانب المغلوبين قناعة سيئة برأي البعض ليس في الأوطان المتخلفة فقط ، بل حتى في العالم المتقدم وهذا ما لمح إ ليه يوما الكاتب الألماني غونتر غراس في حديث له مع مع أحد الأصوات الأكثر حماسة للدفاع عن المغلوبين في النظرية و الممارسة وهو بيير بورديو قبل رحيله حيث قال “كلانا سيئ السمعة في مهنته ، لأنه يقف إلى جانب الخاسرين، إلى جانب المهمشين و المنبوذين خارج المجتمع “.إنه أمر حصل دوما عندنا حيث اعتبر تسخير الموقع الثقافي لفضح اللاعدالة وما يغطيها أمرا غير لائق يخل بالوضع الرمزي لمن ينتسب إلى الثقافة ،بل اعتبر مساسا بالمقدسات لهذا اعتقل وأقصي و همش كل المناصرين للمهمشين و المغلوبين ومن لا صوت لهم ،لكن أين نحن اليوم من عمق وأصالة وانتشار قناعات الأمس؟. 

لقد انحبس توهج الفكر المكافح ،و اهتزت الكثير من القناعات ،وصارت قيمة الثقافة تقاس بما يجنيه من ورائها المنشغل بها لا بمدى صحتها و عضويتها وتجاوبها مع احتياجات الزمن الذي أوجدها ، و المجتمع الذي تتوجه إليه .طبعا القناعات تعني أصحابها أولا وأخيرا إلا أن تعيين الثقافة بما لا تتعين به مغالطة تعمق التعمية وجب نقضها ، لكون ما تتعرف به الثقافة هو وظائفها التي منها مقاومة اللاعدالة والظلم ومناصرة الحق في الكرامة ،ودعم المنسيين والبسطاء.إن هذه الوظائف هي الجوهر الأصيل الذي لايمكن القبول بإفنائه في الممارسة الثقافية.المؤسف أن ما يتم تسييده الآن هوالمعنى الوضيع للثقافة ،حيث تصير مجموع التعبيرات الممجدة للانسحاب والتسليم بالواقع وما يقترحه المهيمن داخله سواء تعلق الأمر بسن القوانين ،أو الانتخاب ،أو الممارسة السياسية ،أو الاحتجاج ،أو الاصطفاف في الأغلبية أو في المعارضة ،أواختيار الأذواق إلخ، إنها بعض ملامح ثقافة الانهيار التي وجدت من يناصرها في الواقع وهو زمن السقوط الذي حكم على اليقينيات الجذرية بالانكماش على الرغم من كل التوهج الذي أذكته حركية التحرر المدني بصيغة 20فبرايرفي هذه اليقينيات، ما بدا غير مفهوم في الواقع الحالي هوعدم قدرة الممارسة الثقافية المنظمة بصيغة إطارات على الاصطفاف في الجهة الأخرى لدعم صوت الرفض و النقض لواقع وعلاقات ونمط إنتاج وتدبيروحكم وأشياء أخرى يراد لنا أن نراها سليمة ومعافاة و صحيحة و طبيعية فيما هي مختلة ومفلسة كما يؤكد الواقع وليس الانطباع الذاتي. 

حين نقول هذا لا ننطلق من إيمان واهم بالوظيفة الرسولية للثقافة، أو من اعتبارالمثقف المخلص والمنقذ للناس والواقع، بل ننطلق من مبدإ قال به الكثير من الكبار يؤكد الحاجة إلى “التمسك بالمبادئ النظرية الصحيحة، وصهر ذلك في الممارسة الفاعلة “خدمة لاحتياجات الواقع كلها. إنه الشيء الغائب بامتياز في المغرب لأنه أن ينزل الناس بشكل أسبوعي للاحتاج في شوارع المغرب، وأن لا تشارك فئة مهمة من المغاربة في الانتخابات، وأن يتم الحكم على مغاربة كثر بالموت بالتقسيط بسبب الغلاء والإهمال والتهميش والحكرة، وأن تعصف السياسة الرسمية بمجانية العلاج، وجوهر المدرسة العمومية، والحقوف الفعلية للمواطنة، وأن يغتني الأغنياء بلا حدود ويتضاعف هم البؤساء إلى ما لا نهاية دون أن تقول الثقافة كلمتها من كل مداخلها، ويكون لها موقفها الفاعل بصدد كل هذا، ويعمل المرتبطون بها كل ما في وسعهم لفرضه، ويقر كل من يعيش من أجل الثقافة أو بها أن الصمت والانسحاب، وتلطيف الصراع الاجتماعي بالبلاعة الملساء لا يعني إلا شيئا وحيدا هو أن الثقافة قد تم تأميمها لصالح الغالبين، وحين يحصل كل هذا تنهار المعاني الأصيلة للثقافة لتتماثل مع زمن السقوط وبذلك تغترب الثقافة الفاعلة وتتيتم وتتقلص لصالح مهيمن وحيد يجعل من الموقع الثقافي مشتلا لاستنبات كل أشكال التعمية.