التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

الفنان الغازي بناصر : لتكف الإذاعة عن استغلالي

أضيف بتاريخ ٠١/٢٣/٢٠١٧
حميد اتباتو


الغازي بناصر فنان أمازيغي من كبار رواد الأغنية الأمازيغية. يماثل في قامته الفنية والإبداعية قامة حمو واليزيد وموحى وموزون والأسماء الشامخة. سجل للإذاعة المغربية ما يزيد عن 50 أغنية دون أن يستفيد من أي تعويض. أعماله تذاع على أمواج الإذاعة المغربية ولا أحد فكر في تعويضه عن هذا الاستغلال الطويل. عاش الغازي بناصر للإبداع الغنائي الأمازيغي وأوصله النكران والتهميش وأقدار العشق الفني إلى ممارسة مهنة جد بسيطة في آخر أيامه لكسب قوت أبنائه الذين يعيشون بعيدين عنه. بيع “الببوش” هي مهنته الحالية. كان جارحا في البداية لكنه يحفظ له كرامته لأنه لا يستجدي أحدا وما يهمه أساسا هو أن يعترف له ولأمثاله بما قدموه لأن هذا حقه الذي أفنى عمره من أجله. في هذا الحوار يحكي الفنان الغازي بناصر عن مسارات حياته الفنية، ويؤكد أن عدم إنصافه مسألة تعني أن مجتمعنا لا زال بعيدا عن الشعارات التي يرفعها الخطاب الرسمي.

س : بداية كيف تقدم نفسك للقارئ ولمن لا يعرفك ؟
ج : إنسان ككل الناس من مواليد 1940 بايت سيدي حساين بزرهون الجنوبية بإقليم مكناس. المنطقة عامة ليست أمازيغية باستثناء الدوار الذي انتمي إليه.

س : هل جئتم إلى هناك من منطقة أخرى أم عشتم دوما هناك ؟
ج : نحن من جهة تونفيت وانتقلنا إلى أيت حديديو ولا زالت القبيلة هناك وجزء منها هو الذي جاء إلى زرهون. أنا طبعا عشت بزرهون ولم أذهب إلى المنطقة الأصلية لقبيلتي.

س : كيف بدأت الغناء ؟

ج :  كان الغناء هوايتي منذ صغري. في الخمسينيات لم تكن هناك لا تلفزة ولا ملاهي. كانت الإذاعة طبعا وكنا نستمع لبعض الفنانين الكبار أمثال المرحوم حمو و اليزيد والشيخ بناصر ابن الحاجب المعروف بأوسيدي. كان أيضا الشيخ محمد وسيدي حساين وكان عازفا متميزا على الكمان، و أحد الذين يتقنون تاماوايت ويؤثر في كل من يستمع إليه. لم يكن الجميع يتوفر على جهاز الراديو كما الآن، وكنت معجبا بما كان يغنيه هؤلاء.
كانت البداية بآلة بدائية صنعتها بيدي ثم صرت أعزف على كمان أحد أبناء الجيران، ولاحقا اشترى أحد أبناء عائلتي الكمان وأعطاني إياه ونصحني بتعلم العزف. كان هذا في في حدود 1954. 1955.

س : هل درست قليلا في المدرسة ؟
ج : لم أذهب إلى المعهد الموسيقي في يوم من الأيام ولم أتلق أي حرف في المسجد أو في المدرسة، ولكن الآن أتقن الكتابة والقراءة وأستطيع فهم مضمون كل القرآن العظيم باستثناء آيات قليلة.

س :متى بدأت تحيي الحفلات ؟
ج : سنة 1958 خرجت لأول مرة لأحيي أولى حفلاتي. كان التقليد آنذاك أن يجتمع مجموعة من الفنانين ويذهبون لإحياء حفلات عند أصدقاء و محبين.حالنا كان مثل عبيدات الرما كان الناس يستضيفوننا بحب وسخاء. لم نكن نأخذ مقابلا عن الحفل وتعويضنا كان هو إكرامنا بالاستقبال والتغذية وإكراميات المحبين.

س : إلى من كنت تنصت أكثر من كبار المغنين ؟
ج : كانت الأسماء التي ذكرتها سابقا كحموو اليزيد والشيخ محمد أوسيدي.

س : هل تعتبر من هؤلاء الرواد الأوائل في مجال الأغنية الأمازيغية ؟
ج: أنا من الأوائل لكني اعتبر من الجيل الثاني بعد هؤلاء والذي بإمكانه أن يحكم على إبداعية الجميع هو المهتم بهذه الأغنية والمتتبع لها.

س : موحى  وموزون من جيلك طبعا ؟
ج : بدأ قبلي لأني أتذكر أنه أدى أغنية عن طنجة في حدود سنة 1955 وكنت معجبا بها آنذاك.

س : هل بدأت بأداء أغانيك أم أعدت أداء أغاني لأسماء أخرى ؟
ج:في البداية غنيت أغاني لغيري لأن المعروف آنذاك هو وجود مجموعة من الأغاني الرائجة لا تنتسب بالضرورة لمبدع معين وكان الجميع يعيد أداءها وكنت أدخل عليها إضافات لكن أحيانا كنت أغني قطعي الخاصة أو أخرى من إبداع أشخاص يمنحوني إياها .لقد أديت العديد من الأغاني.

س : كم من أغنية أديت تقريبا ؟
ج : أديت ما لا يحصى من الأغاني ويكفيني أن أشير إلى أني قد سجلت للإذاعة 55 أغنية فيها ما هو وطني وما هو شعبي. أما ما غنيته خارج ذلك فكثير. ففي سنة 1966 فقط شاركت في حوالي 100 سهرة بأوربا حيث كنا نشارك في ثلاث سهرات كل أسبوع بالإضافة إلى حضور لقاءات خاصة ببعض الناس والعائلات.

س:ماهي البلدان التي أحييت فيها سهرات ؟                  
ج : خرجت أول مرة خارج الوطن سنة 1966 واستمر ذلك بعد هذا التاريخ . ذهبت إلى فرنسا وبلجيكا وهولندا ،كما خرجت إلى ألمانيا سنة 1968. كان ذلك لأجل العمل وليس لأجل الغناء، ولكن العمال المغاربة اشتروا لي الكمان وكنت أغني أيضا. في ألمانيا اشتغلت في أعمال قاسية ورغم أن ألمانيا كانت توفر أوراق الإقامة للعمال فقد عدت إلى المغرب وتابعت مشوار الفن.

س : هل كنت معروفا في الوسط الفني في هذه المرحلة ؟
ج : طبعا. كنت قد سجلت مجموعة من الأغاني للإذاعة، وكانت البداية مع هذه المؤسسة في حدود 1964. كانت بدايتي الإذاعية صدفة لأني كنت أشتغل مع مسرح متنقل يتجول في مجموعة من المدن، وصادف أن كنا نعرض بالقريعة بالدار البيضاء وحضر أحد الأشخاص ويسمى رشيد العتابي فنادى علي الشخص المسؤول عن الفرقة وقدم الشخص إلي بالقول “ها واحد الأمازيغي ديالكم ” وكان يشتغل في التلفزيون بعين الشق. هنا تحدثنا عن إمكانية التسجيل للتلفزيون وهو ما حصل بعد الاتفاق حيث غنيت في الأستوديو وتم تحويل ما غنيناه إلى الإذاعة وبدأت إذاعة ذلك منذ 1963 لكنهم لم يعرفوا الشخص الذي غناها وطلبوا مني أن احضر إلى الإذاعة لاحقا لتسجيل القطعة وقد سجلت لهم ست قطع.

س : ما الذي أخذته كمقابل عن ذلك ؟
ج : لم آخذ أي شيئا.

س : هل سجلت قطعا أخرى للإذاعة بعد ذلك ؟
ج : في سنة 1964 سجلت أربع قطع، وفي سنة 1965 وبعدها سجلت 17 أغنية. في هذه المرحلة تمت المناداة على مجموعة من الفنانين الأمازيغ للإذاعة، وكان المرحوم إدريس بلقاسم هو المكلف بالقسم الامازيغي. لقد بقيت في الرباط لمدة شهر وسجلت للإذاعة 17 أغنية لكني لم أحصل على أي تعويض،وكل المصاريف كانت من جيوبنا.

س :كل هذه الأغاني مجانا ؟
ج : نعم حتى فرنك لا آنذاك ولا الآن. كنا نسافر ونصرف من مالنا الخاص ونسجل لهم عددا من الأغاني ونعود إلى حالنا بعد ذلك.

س : هل هذه الأغاني تذاع لحدود الآن ؟
ج : طبعا أغاني الغازي بناصر تذاع منذ أن تم تسجيلها، وتذاع باستمرار وأستحضر يوما أن الإذاعة الأمازيغية بدأت بأغاني الغازي بناصر وأنهت بثها بأغانيه طيلة مدة البث لم تبث غير أعمالي.

س : ما الذي يعنيه لك أن تبث أغانيك في الإذاعة دوما ولا تأخذ أي مقابل عن ذلك ؟
ج : إنه عصر الديمقراطية المغربية…  إنه معنى حقوق الإنسان عندنا. أغانيك وأعمالك تستغل منذ عقود في البث الإذاعي ولا من يعوضك عن ذلك ولو بفرنك.

س : ماذا عن حقوق المؤلف ؟
ج : لقد سجلت 19 أغنية بمشقة الأنفس لكن تمت عرقلة تسجيل بقية الأغاني في مكتب حقوق المؤلف. لم أكن أعلم هل كان علي أن أمنحهم الرشوة ليقبلوا بتسجيل أعمالي أم ماذا ؟

س : من الذي كان يعرقل عملك ؟
ج : أقصد المسؤولين عن مكتب التأليف. لم أسجل كن أعمالي في مكتب حقوق المؤلف. أما البقية فتذاع مجانا. المشكل هو أني لم آخذ أي شيء من هذا المكتب باستثناء قدر صغير سنة 1999 حيث منحوني 5000 درهم أما قبل ذلك فلا شيء هناك. مؤخرا تمت المناداة علي وسلمت قدرا بسيطا وأنتظر أن يعطوني ما استحقه لأنه حقي.

س : ماهي المواضيع التي تغنيت بها ؟
ج : تغنيت بالعاطفة والحياة والعلاقات الإنسانية. أعمالي حاملة لدلالات ومتميزة في ألحانها.

س : كيف كنت تؤلف أغانيك ؟
ج : أنا كنت أكتب كلمات أعمالي غالبا في أوقات خاصة مثل الليل. وما كنت أهيئه أولا هو الألحان، وبعد ذلك أبحث عن الكلمات المناسبة لها.

س : ماهي بعض قطعك المشهورة ؟
ج : هناك الكثير من الأعمال مثل “أواكيغ مانو كيغ كولا الدونيت ” مكعنا باضاض أيونو ” وكل أعمالي بالأمازيغية ،وأستمع إلى أعمالي يغنيها الكثير من الفنانين الأمازيغ.

س : ما الذي أثر فيك على مستوى الغناء ؟
ج : أنا أعجبت بأسماء الرواد الأوائل الكبار وما تأثرت به هو ما عشته في مسار حياتي وعلاقاتي الاجتماعية. أغاني أنصت فيها لذاتي ولإحساسات الناس لكن ما حرك إبداعي في الكثير من الأحيان هو تنافسي إبداعيا مع بعض الأسماء الرائدة خاصة حمو اليزيد و موحا أموزون.

س : هل تذكر بعض الأسماء التي غنت معك في الفرقة ؟
ج : من الأسماء هناك ما لا يحصى وفي النساء قد أذكر رابحة حدو نيشين وزهرة عدي وتامهاوشت لكنها لم تسجل معي قطع الإذاعة.

س : ما الذي يميز عزفك على الكمان ؟
ج : أنا استمع إلى بعض العارفين بالمجال يتحدثون كثيرا عن مميزات أداء الغازي بناصر .يقولون ذلك في لقاءات إذاعية لكن ما أقوله أنا هو أن ما ميزني هو مسعاي لتحديث الأغنية الأمازيغية وقد فكرت في إضافة الأورك للأغنية الأمازيغية منذ 1965. أعمالي تأثرت بالموسيقى الهندية التقليدية الحزينة .كنت اعتمدها  لتخصيب أدائي وهو ما جعله مؤثرا. وشخصيا كنت أنصح أفراد المجموعة أن يستحضروا بعض اللحظات المؤثرة في مسارات حياتهم قبل سهراتي مباشرة حتى تطبع الأغاني بطابع مؤثر وحزين.

س: هل هناك بعض الأسماء تأثرت بتجربتك ؟
ج : هناك أحد الأسماء الذي يعد تلميذا لي وهو حميد أسيدي حساين .إن عزفه وغناءه شبيه بنمطي وكان مع مجموعة بناصر وخويا .هو أيضا انقطع عن الغناء.

س : كم قضيت في مجال الغناء ؟
ج : أنا بدأت في أوائل الستينيات وسجلت أعمالي في الإذاعة في حدود 1964 ثم توقفت عن التسجيل للإذاعة سنة 1983 وفي أواخر التسعينيات توقفت عن الغناء .وقد بعت الكمان سنة 1998 .سجلت لقاءات للتلفزيون بين 1964 و1973 .كنت أشارك في سهرات بالدار البيضاء رفقة مجموعتي وهناك سجلت بعض اللقاءات.

س : ما الذي منحك إياه التلفزيون حين قدم لك بعض السهرات ؟
ج : لا شيء غير الأصفار ربما أعطوني مقابلا بسيطا في المرات الأولى لا يزيد عن 600 درهم لكل المجموعة.

س : من الذي كان يشرف على تنظيم سهراتك ؟
ج : كانت تتم المناداة علي من طرف بعض الجهات، وقد قدمت مجموعة منها بالدار البيضاء أما بالنسبة للسهرات خارج الوطن فكانت شركة أيت أمزال تتكلف بذلك بالإضافة إلى بعض الأمازيغيين في منطقة سوس وتنغير. ومن الذين غنوا معي في البداية في نفس السهرات رقية الدمسيرية في بدايتها ولم تكن معروفة، وبعض المجموعات من أكادير ومراكش. بعد السهرة الأولى كنت استدعي أسماء لتشارك معنا خارج الوطن وقد تكلف بعض المنظمين بسهراتي لاحقا.

س : ما الذي كنت تحصل عليه في سهراتك ؟
ج : الثمن يختلف قد تحصل على 10 ألف درهم أو أكثر أو أقل ويتم اقتسامها بين أفراد المجموعة.

س : ما الذي كان أفضل بالنسبة لك أن تشارك في سهرات خارج أو داخل الوطن ؟
ج : نحن لم نكن ننظم حفلات كثيرة في المغرب لأنه لم يكن يسمح لنا بذلك على عكس الفنانين الذين يأتون من الشرق كنا دوما نجد عراقيل كثيرة لكن رغم ذلك فقد غنيت في الكثير من المدن المغربية كما شاركت في الكثير من الحفلات الوطنية فأنا مثلا شاركت في حوالي 25 احتفالا بعيد العرش. كان هذا بمدن الرباط والبيضاء والجديدة  وسيدي قاسم وخنيفرة وغيرها.

س : هل هناك أسماء معينة غنت معك في بداية مشوارها  ؟
ج : اذكر محمد رويشة الذي شارك في سهرة كنت مشاركا فيها بدوري. كان ذلك في حدود 1965. كان السي محمد رويشة في بداية مشواره وكان رفقة مجموعته وكنت أترأس مجموعتي إلا أن رويشة أحس بتعب كبير فارتبك أعضاء مجموعته وطلبوا مني أن اعزف بالنيابة عنه وقد اقترحت أن اغني معهم مرة ومع فرقتي مرة أخرى. وهكذا غطيت على مشكل عياء محمد رويشة وليسمح لي على ذكر هذه الواقعة فرويشة لم يكن قد سجل إلا أغنية واحدة في هذه المرحلة.

س : ما الذي استفدته من تجربتك في الغناء ؟
ج : لا شيء قد أقول إنني تعرفت على الناس، والأهم أنني شغلت ألاف قلوب المحبين. وهذا ربما شيء لايقدر بثمن. فأن يحبك الناس وأن يستمع إليك الملايين وأن تبقى أغاني الغازي بناصر خالدة رغم كل شيء فهذا شيء لا يقاس بثمن.

س : ما هي الأشياء التي لن تنساها أبدا ؟
ج : ما لن أنساه هو السهرات التي أطربت فيها الجمهور، واحتفى بي بالإنصات والتصفيق والإعجاب والتقدير كذلك. ومن المناسبات التي طبعتني كثيراسهرة أحييتها ببلجيكا بقاعة وسط بروكسيل ، فقد حضر جمهور غفير واحتفى بي كثيرا.

س: ما هي آخر أغنية غنيتها ؟ ولماذا توقفت عن الغناء ؟
ج . كانت “اواكيغ اواكيغ كول الدونيت “وكان ذلك سنة 1983. توقفي عن الغناء كان لأسباب موضوعية منها أساسا أنه ليس بإمكانك حتى جمع الناس وتنظيم سهرة تكسب من خلالها قوتك. لقد تمت محاربتنا كأننا جئنا من كوكب أخر. هذا طبعا  ليس وضعي لوحدي بل هو وضع الكثير من الفنانين الأمازيغ. لقد حصل يوما أن ذهبت إلى مسؤول بوزارة الداخلية بغية تسوية أوراق للخروج مع فرقتي لإحياء حفل خارج الوطن فأساء إلي ذلك الشخص بكلام جارح. أهانني بحديثه كأنني لست بفنان بل مهجر فتيات أو شيئا من هذا القبيل. لم أتذكر اسمه لكنه كان بمقر الوزارة ولم أنس ذلك لحدود الآن.

س : كيف عشت منذ أن توقفت عن الغناء ؟
ج: لقد ارتحت كثيرا. حين كنت أغني كنت مشغولا باستمرار بكيفية توفير قوتي وتنظيم الحفلات وتسجيل الأغاني وكل ما تبقى. لم يكن هناك من يساعدك في كل هذا. لكن الآن أشتغل يوميا وأكسب خبزي وخبز أسرتي وأبنائي.
أنا الآن اشتغل في مهنة تبدو مهينة في رأي الناس العاديين وهي بيع الحلزون، لكن بالنسبة للناس العقلاء فهذا شغل كباقي الأعمال والمهن. أنا مرتاح الحمد لله.

س : كم من أبناء لك الآن ؟ ولماذا أنت بمريرت ؟
ج : لي خمسة أبناء وأكبرهم عمره حوالي 16 سنة. هم الآن مع أمهم بزرهون وأنا أشتغل هنا منذ 1998 إلى الآن. فبعد أن أوقفت الغناء جئت إلى هنا لكني أفكر في المغادرة إلى مكان آخر.

س : بماذا اشتغلت قبل أن تأتي إلى مريرت ؟
ج : حين توقفت عن الغناء اشتغلت بالخياطة فكنت أخيط سراويل الجينز وأبيعها لوحدي. وكان مجيئي إلى مريرت صدفة فقط. فقد اشتغلت بخنيفرة لمدة شهرين إلا أن الشغل الذي كنت أقوم به لم يرحني، وحين كنت عائدا توقفت بمريرت وهناك لاحظت أحد الأشخاص يبيع الحلزون فقلت لما لا أقوم بنفس الشيء. وهو ما صرت أقوم به لحد الآن. إنها الأقدار ومشيئة الله.

س : كيف أحسست في بداية بيعك للببوش  وأنت أحد كبار المبدعين الأمازيغ ؟
ج : لقد أزحت كسوة المغني والفنان ولبست كسوة بائع بسيط. ما ينطبق علي ينطبق على كل الناس فهناك من يكون مسؤولا أو موظفا كبيرا عسكريا مرموقا لكنه يتقاعد ويفرض عليه أن يصير ككل الناس وينسى رتبته وماضيه وما كان عليه.
لقد أنهيت مشواري الغنائي ولي كامل الحرية في أن أشتغل في المهنة التي توفر لي إمكانية العيش.

س : ألم يقلقك ذلك ؟
ج : لقد أقلقني كثيرا وتألمت في أعماقي خاصة أن بعض الناس سامحهم الله يقصدون إذكاء جروحك بكلامهم لكن تدريجيا تعودت على كلامهم وقبلت قدر الله وأعيش ككل الناس.

س : ألم يزرك بعض الفنانين أو بعض المسؤولين ؟
ج : طبعا يأتي عندي الأصدقاء والمحبون وبعض الفنانين وهناك من يسلمني مساعدة مادية وبالمناسبة أنا أشكر كل من يفكر في الغازي بناصر.

س : هل تم تكريمك من طرف جهة ما في هذا العمر .؟
ج : تم تكريمي من طرف بعض الجمعيات ،كجمعية حمو و اليزيد بالخميسات وقد نظموا لي تكريما في صيف  2008. وعلى الرغم من أن الجمعية ليست لها إمكانيات هامة فقد كان تكريمهم لي جد محترم. هناك أيضا المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وكانوا قد اتصلوا بي لتكريمي في تاوريرت وأخبروني بأنهم سيمنحوني 5000 درهم، وبعد إن سافرت إلى تاوريرت ونظم التكريم صار المقابل نصف القدر فقط  2500 درهم لا أعرف هل المعهد المسؤول الذي اتصل بي عرف الأمر أم لا لكن مثل هذه الأشياء مسيئة. تم تكريمي أيضا بمريرت سنة 1999 وكان ذلك بحضور وزير الثقافة السابق محمد الأشعري وتم تكريمي كذلك بمدينة خنيفرة من طرف المجلس البلدي وتم منحي 2000 درهما. كان عامل خنيفرة السابق قد طلب مني تهييئ ملف للحصول على رخصة للنقل وهو ما قمت به لكن لا أحد اتصل بي إلى الآن.

س : هل سمعت ببطاقة الفنان وهل اتصل بك أحد بصددها ؟
ج : طبعا أعرف أن الفنانين حصلوا على البطاقة لكن لا أحد اتصل بي ولم أتقدم بأي طلب لأية جهة لأن ما علمتني إياه تجربة الغناء والتهميش الذي أعيشه هو أن الاهتمام والاعتراف والتقدير للفنان مسائل مقتتصرة على فنانين آخرينربما على الذين يغنون بالفرنسية أو بالإسرائيلية أو حتى العربية. أما الفنان الأمازيغي فمقصي من كل هذا. فحتى لو تقدمت بملف بطاقة الفنان أو التغطية الصحية لا أحد سيستقبلني أو يهتم بي. الشاوش في هذه المؤسسات لن يقيل باستقبالك وسيطردك.

س : ماذا يعني هذا برأيك ؟هل هذا التعامل طبيعي ؟
ج : طبعا إننا مغاربة ،نتحدث في الكلام عن الديمقراطية وحقوق الإنسان لكن في الواقع نكرس التمييز والتهميش وعدم الاعتراف. أنا لا أفهم معنى الديمقراطية التي يتم الحديث عنها. أن أشاهد مغنين بالعربية في قنوات مرارا وتكرارا ونفس الأمر لمن يغني بالفرنسية  لكن من يغني بالأمازيغية محروم من هذا الحق. ربما نحن لسنا مغاربة ولسنا من هذه الأرض كذلك .. القناة الثانية لم يتصلوا بي يوما ولم يسألوا عني كما لا يسألون عن أمثالي لكنهم  يفتحون الأبواب لمن هب ودب من الذين هم من دون قيمة.

س : ما ذا يعني وجود معهد ملكي للثقافة الأمازيغية بالنسبة إليك ؟
ج : فرحنا كثيرا حين تم الإعلان عن إنشاء هذه المؤسسة لأننا اعتبرنا أنه سيقوم بما يفيد الفنان الأمازيغي، والشاعر والمغني. لكن لا شيء من هذا حصل .هناك ميزانية هامة لكن الفنان لا يستفيد منها. أنا مثلا من الرواد والأسماء الأساسية للأغنية الأمازيغية ولا أحد بإمكانه محو اسمي وإسهامي لكن أين هو الاعتراف بما قدمته من طرف هذه المؤسسة ومن طرف غيرها ؟

س : كيف تستحضر ذكرى حمو و اليزيد ؟
ج : لقد التقيت به مرة واحدة وكنا قد التقينا بمناسبة تسجيل سهرة خاصة بالأمازيغية فهو كان يعيش بعين اللوح ، أما أنا فكنت أعيش بجهة مكناس لكن كنت سمتع إلى أغانيه دائما.

س : كيف تحس الآن حين تسمع أغانيك تذاع على أمواج الإذاعة ؟
ج :  إحساس جارح. لقد ذهبت إلى الإذاعة المركزية سنة 1999 بغاية تصفية قضية حقوقي وقد ساعدتني رابحة عقا واستضافتني في لقاء إذاعي وحين وظفت مقطعا من أغنية لي في اللقاء غالبتني الدموع فبكيت بالرغم مني ومنحتني مضيفتي منديلا لمسح دموعي. أتأثر كثيرا لسماع الأغاني التي أديتها لأنها غالية في ذاكرتي. وما يؤثر في أكثر هو أنها تذاع دون أن أستفيد من حقوقي كمؤلف.

س : هل تزورك بعض الأسماء الغنائية هنا لدعمك والاعتراف لك أحيانا ؟
ج : لا أحد يأتي من أجل ذلك من الفنانين المعروفين.

س: هذا يعني أن النكران صفة مميزة للجميع ؟
ج : لا أقول ذلك حتى بعض الذين لم يكونوا يحتملونني سابقا في المجال الفني يتحدثون عني بشكل إيجابي في بعض اللقاءات في الإعلام. سابقا كانت بيننا منافسة ولم يكن بإمكانهم الاعتراف لي أما الآن فيؤكد ون ذلك حين يسألون عن اسم الغازي بناصر.

س : هل الإعلام اهتم بوضعك ؟
ج : قليلا ما يزورني الإعلام هنا. زارتني الصباح سابقا. وجئت أنت سابقا باسم “المساء” وتعود اليوم باسم جريدة الخبر الإلكترونية كما جاء فريق من التليفزيون وأخبروني بأنهم سيصورون حلقة لسلسلة وثائقية إلا أنهم حين وصلوا تعاملوا معي منذ البداية بصيغة غير احترافية و مذلة فرفضت أن أصور معهم و يمكن ان أحكي لاحقا عن مثل هذه الأشياء.. فشكرا لمن يفكر فينا من أجل الأعتراف لا الإساءة.

س : ما الذي يهمك قوله للمسؤولين عن الثقافة والفن ؟
ج: ما قد أقوله لن يسمعه أحد .ما أتمناه هو تحقيق مطلب تو سيع مدة بث القناة الأمازيغية وأن تتوفر لها الحرية حتى تتعامل مع الجميع بدون انتقاء وإقصاء .أما أن تكون هذه القناة وأن يتم تلجيمها فهذا لن يكون في صالحها ولا في صالح الثقافة الأمازيغية. نحتاج لقناة أمازيغية حقيقية تكون رهن إشارة الجميع، بالنسبة للمرور فيها وبالنسبة لالتقاطها كذلك.

س : كيف تجد الأغنية الأمازيغية اليوم ؟
ج : الآن تغيرت أوجه كثيرة في الأغنية الأمازيغية والكثير منها لا ارتاح له.لأنه تم إدخال أشياء جديدة للأغاني بل لقد تم التفريط في إبداعية الكلام والإيقاع.غاب الشعر وعوض بالكلام العادي وما يغنيه البعض ككلمات هو نفس الكلام الذي نقوله في الحديث اليومي كما لو أنك تتحدث مع شخص وتقول له.”أش خبارك ” واش لاباس عليك ” كيف أنت”. لقد غابت الكلمة المؤثرة التي تؤثر في المستمع وتخاطب أعماقه. ما يتضخم هو الكلمات الزنقاوية  والقول الساقط، لكني استمع إلى أسماء قليلة لا زالت محافظة على أناقة الكلمة واللحن.

س : ما الذي يعنيه حمو اليزيد في الأغنية الأمازيغية ؟ وهل من أسماء من طينته ؟
حمو اليزيد اسم كبير في مجال الأغنية الأمازيغية، وحين غاب شكل خسارة كبيرة لهذه الأغنية ولكل الفن الأمازيغي.. في وقته كان الكثير من الإبداع ،إلى جانب حمو اليزيد كانت هناك أسماء أمثال : زهرة زاوية الشيخ التي تغني مع يامنة والتويرة، فهي  برأيي من أحسن الأصوات وقد لا يجود بمثله ثانية زمن الأغنية الأمازيغية. صوتها كان يفتح عوالم لا تتصور.
هناك أيضا موحى و موزون خاصة في أغانيه الأولى. عزفه جد متميز، وكمانه له طعم خاص. إنه مدرسة في العزف على الكمان.

س : لو أردت أن تستمع إلى مغني معين ما هو الصوت الذي تشتاق إليه أكثر؟
ج : يهمني أن استمع إلى موحى و موزون في أغانيه الأولى وإلى حمو اليزيد في أعماله الأولى.

س : من هو عازف الوتر الذي يعجبك الاستماع إليه ؟
ج : محمد رويشة طبعا. أنه ملك العزف على الوتر. محمد رويشة لا يتكرر وليس هناك من يماثله في مجاله.

س : ما الذي يهمك قوله في الأخير
ج : يهمني أن أقول للمسؤولين عن الإذاعة رجاء امنحوني أعمالي لأفعل بها ما أشاء.لأحرقها .إنها أعمالي وأنا صاحبها فلتسحبوها من الخزانة وامنحوني إياها لأدمرها. فإن كانت لهم عقدة أو وثيقة موقعة من طرفي فليخرجوها لإقناعي بحقهم في استغلال جهدي وعملي لكن أن يستمروا في إذاعة هذه الأعمال ولا يتم التفكير في صاحبها الغازي بناصر فهذا عار وحرام. إن الأمر لا يتعلق بعمل أو عملين ولكن بحوالي 56 أغنية تستغل منذ 1964 إلى اليوم. ما يحصل هو سرقة حقيقية وهل كل من يسرق شيئا من حقه أن ينسبه إلى نفسه.

س : لكنك استفدت من مكتب حقوق المؤلف ؟
ج : أنا لم آخذ أي شيئا باستثناء استدعائي إلى المكتب بفاس سنة 1999 ومنحي 520 درهم. و منذ ذلك الوقت لم يسلموني أي شيء. عدت  عندهم لا حقا واخبروني أنني غير مسجل عندهم نهائيا. لقد تنكروا لي. مؤخرا أعطوني شيئا بسيطا وأنا أرغب في كل حقوقي وآمل أن أجد من يساعدني في إحقاق حقي.