التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

الرصاص المغموس بدم الخنزير

أضيف بتاريخ ٠٨/٢٤/٢٠١٧
رجوى الملوحي


"انظروا ماذا فعل الجنرال الأمريكي بيرشينغ بالإرهابيين بعد القبض عليهم. اختفى بعدها الإرهاب الإسلامي المتطرف لمدة خمسة وثلاثين عاماً" بهذه التغريدة التحريضية، عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، المنتخب من قبل اليمين المتطرف في أمريكا ،في أعقاب عملية الدهس في برشلونة الإسبانية، عن رغبته في إبادة المسلمين بالقتل الجماعي على طريقة الجنرال جون بيرشينغ الذي حكم إقليم مورو ذا الغالبية المسلمة في الفلبين، من عام 1909 إلى عام 1913.

وتقول الرواية التي استحضرها ترمب، إن الجنرال الأمريكي قام بجمع خمسين فلبينياً مسلماً سمّوا بالمتمردين "وهم من مقاومي الاحتلال الأمريكي بجميع الأحوال" وأعدم تسعة وأربعين منهم برصاص مغموس بدم الخنازير. ليختفي الإرهاب في الفلبين بحسب تعبير ترمب. المفارقة هنا، أن ترمب ذاته، صاحب الهجوم الشرس ضد المسلمين على خلفية الأحداث "الإرهابية" المتفرقة في دول أوروبا، والتي أصبحت محط جدل وتساؤلات عن الأسباب الحقيقة والأهداف التي تقف خلفها، قد اتُهم بدعم التطرف العنصري واذكاء ناره، على خلفية أحداث ولاية فرجينيا العنصرية، وعودة منظمة كو كلوكس كلان أو النازيون الجدد للبروز مجدداً على الأراضي الأمريكية.

تجربة أمريكا مع جماعة كو كلوكس كلان (النازيون الجدد KKK) في القرنين التاسع عشر والعشرين، هي امتداد لعقود من الشناعة، أفرزت عقولاً عنصرية، شهوانية للقتل، متعطشة للدم، قادرة على ابتداع أساليب تعذيب وسحق ووحشية لتجذير أفكارها، وترسيخها، وإعلاء سطوتها وسلطتها على المخالفين لها، وهو ما يصطلح عليه مسمى "الإرهاب"، غربي المنشأ والتصدير.

فقد عرفت كل من أوروبا والقارة الأمريكية، الإرهاب قبل العالم العربي بعقود طويلة، وشهدت المجتمعات الأوروبية إرهاباً دينياً عنيفاً في العصور الوسطى التي أصبحت بصمة دموية ومثالاً للوحشية في تاريخها ماقبل الحديث. أوروبا التي لم تكن لتنتهي من حروبها الدموية الداخلية، حتى قادتها مرحلة البحث عن منافذ أخرى تسيطر عليها خارج القارة المنهكة بالصراعات، إلى اكتشاف القارة الأمريكية، أرض الأحلام ووعد الإله المحقق بالنسبة للأوروبيين آنذاك.

وبحرب إرهابية استمرت لقرون من الزمن، استخدم فيها المستوطنون الجدد كافة أنواع الأسلحة، بما فيها الحرب الجرثومية، انبثقت من عباءة السلب والنهب والإرهاب أمريكا الدولة الأكثر تحضرا ورائدة الديموقراطية كما تقدم نفسها، محور المجتمع الدولي، وبوصلة العالم السياسي، التي شيدت أركانها على جماجم الهنود الحمر وجلود رؤوسهم المسلوخة، بعد أن قام كل من الإسبان والإنجليز وغيرهم من العرقيات الأوروبية المهاجرة بهدف الاستيطان في القارة الجديدة، بتفعيل الإبادة الشاملة لتلك الأمم التي وصفها كولومبس بالطيبة جداً، قبل أن تمحو جرائم الإبادة زهاء مئة مليون إنسان من الحاضر والمستقبل.

وعلى هذه الركائز أو "الجماجم"، اختارت الولايات المتحدة الأمريكية تأسيس مستقبلها الاجتماعي والسياسي إلى اليوم، تنطلق به من الإيمان العميق بالتفوق الديني والعرقي، وأحقية الوصاية على الشعوب المختلفة والاستحواذ على مقدراتها وخيراتها. كما لم تراع أمريكا منذ نشأتها أي حرمة للأرواح، فراحت تزهقها كيفما اقتضت حاجتها لذلك عملاً بحقوقها التي شرعتها لنفسها وفرضت قدسيتها على العالمين، ولا أريد هنا الخوض الكثير في تفاصيل الجرائم والحروب التي شنتها أمريكا أو شاركت بها كفاعل أساسي منذ تأسيسها حتى اليوم، لأن الكلام عنها يطول.

لذا فإن كو كلوكس كلان أو النازيون الجدد، هي نتاج طبيعي لنزعة التفوق التي ترعرع عليها معظم الأمريكيين، وتعبر عن الركائز الأساسية التي تأسست عليها الدولة الأمريكية. عنصرية وشهوانية للعداء، عبر عنها المنتمون لليمين المتطرف، على شكل تأييد مطلق للإرهابي الأول في سوريا بشار الأسد، من خلال مظاهرات شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا مؤخراً، أو ضمن مقاطع مصورة يدعون فيها بشار الأسد إلى استخدام الأسلحة الكيماوية مجدداً، والاستمرار بإلقاء البراميل المتفجرة؛ كما وصف زعيم جماعة كو كلوكس كلان، دافيد ديوك الأسد بالقائد المذهل، بسبب دوره في محاربة المسلمين وقتلهم، وهذا ما يؤكد تفاعل شريحة من الأمريكيين مع ما يحدث في سوريا بصورة شخصية أيضاً، بالقدر الذي تشبع فيه توجهاتهم.

إن روح التطرف العنصري، عقيدة أمريكية تأسيسية متجذرة في الأصل، لم تستطع عقود من شعارات الحرية وحقوق الإنسان أن تغير فيها، لذا فإن هذه المنظومة التي تدير العالم كأحد القوى الكبرى، منظومة ساقطة قيمياً، جرّت معها الفضاء الدولي من سقوط إلى سقوط آخر، وأفلتت كلابها في أرضنا تفتك وتقتل هنا وهناك، بينما جلست هي تزرع الدمار وتجني الثمار.

فيما كانت هذه المنظومة تطور نفسها، وتحدث من أساليبها، وصولا إلى عصر التدمير عبر الوكلاء، كالتنظيمات المتطرفة اليوم والتي أشرفت شركة بلاك ووتر الأمريكية للخدمات العسكرية القذرة على تدريبها، وإلباسها الثوب الإسلامي زورا وبهتاناً، بينما نقرأ في ركائزها الروح الأمريكية حاضرة، لا غبار على وجودها.

إحدى شاعرات الهنود الحمر وتدعى كريستو تقول في قصيدة لها: هذا خبزنا، خبز البغضاء.. نأكله منذ مجيء الانسان الأبيض كل يوم..! والمؤسف أن شعوباً شيدت أعظم الحضارات، تأكل الخبز الأمريكي ذاته.. الذي أكله الهنود يوماً ما، لكن الفارق أن الهنود أكلوه رغما عنهم، بينما نحن نستجدي الأمريكي ليصنع لنا خبز الدم ويطعمنا منه.