التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

الشعر تحريض على فن العيش

أضيف بتاريخ ١٠/٠٢/٢٠١٧
عبد السلام دخان


الشعر تحريض على فن العيش، لأنه قادم من الينبوع الأصيل للحياة، يكشف العالم بواسطة اللغة، ويسمي الأشياء، ليجعل من اللغة لوغوسا. ووفق هذه الرؤية "الهايدغرية" فالفلسفة مطالبة اليوم بأن تجدد حوارها مع الشعر، وتعلي من جديد من خاصية التفكير. ينبغي على الفلسفة اليوم أن تفكر في القصيدة وهي تتأمل الهامشي في الحياة. لم يعد الشعر ضمن الأقاويل المخيلة بالمعنى الأفلاطوني. و رغم أن الفلسفة تشيد مسكنها على نحت المفاهيم (جيل دولوز) وتأملها، وعلى الحجاج. فأن الشعر يشيد مسكنه في ماهية الوجود القائم على التأمل. و إمكانية تجديد الصلة بينهما لا تزال ممكنة شريطة التخلص من الأبعاد الميتافيزيقية لماهية الشعر لصالح وضعيات أنطلوجية. نتذكر في هذا الصدد نداء الوجود في مرحلة مبكرة مع "بارمينيد، وهيراقليط" قبل أن نفكر في وضعية الوجود الملتبس الآن المهدد بمخاطر انفلات نووي.
الفلسفة والشعر يشتركان معا في فن الإنصات العميق للوجود. كلاهما يبحثان عن ما أسماه بول إيلوار بالإشراقة المنيرة للطريق. و-في تقديري- لم تعد مهمة الفلسفة و الشعر تجاوز الميتافيزيقا بعد نسيان الوجود، بل في تهيئ التربة لعودة الإنسانية في بعدها المتعدد بعد انحسارها في مستنقع الضجر والابتدال.
كل المقولات المبشرة بنهاية الفلسفة والشعر مجرد أقاويل عدمية، فلا وجود للحب ولا للمعرفة خارجهما. وما يهدد الحياة يجعل لهفة الإنسان للفلسفة، والشعر مرتبطة بغريزة البحث عن ما يتصف بالدوام تبعا لرؤية " برتراند راسل". 
الشعر والفلسفة يتجاوزان اليوم مهمة الإخبار، على نحو ما كنا نجده في الإليادة والأوديسة لهوميروس، والممارسة المتعالية بالتعبير الكانطي، لصالح تأمل حر في الوجود. يتجاوز متاريس الميتوس، وسلطته، ليشيد مساحات من الحضور. والحالة هذه فإننا بصدد منعطف حاسم في إنتاج المعنى، والإنصات للأحاسيس، وتأويل العالم الذي تخلص من تراجيديا شعراء المدينة الفاضلة" امبريوس، وسالفوسيس" الذين مجدهم أفلاطون في جمهوريته. العالم المرهق بالألم، وبالعطش الميتافيزيقي يحتاج إلى الشعر والفلسفة لممارسة رؤية عينية للحياة- هنا والآن- ولتأسيس ليس أنطلوجيا إنسانية.