التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

العابرون

أضيف بتاريخ ٠٩/٢٨/٢٠١٧
خولة مطر


تعلم أنك قد تقدمت فى العمر عندما تكثر الرسائل من الأصدقاء، وهم حتما فى نفس الفئة العمرية أو قريبون منها، تعلم ذلك عندما تكثر الرسائل عن معنى السنين وجمال النضج المعتق فى جسد المرء المتعب وحديث عن القلب الذى لا يشيخ.. 
ربما الكثير من ذلك مجرد مساعدة الأصدقاء والمعارف وحتى الزملاء على تخطيك لمرحلة تسعى ألا تكون النقطة الأولى فى العد التنازلى.. أو ربما هى علاج جماعى على مواقع التواصل وعبر الرسائل القصيرة للاستمرار فى الحياة وعدم الانحدار فى منزلق أنها بداية النهاية.
***
كان قد كرر عليك هو من عملت معه لسنوات وتعلمت الكثير من تخزين التجارب فى جسد رجل نحيل لا يحمل إلا كثيرا من التواضع النادر. يقول إن شيخ آخر قد نصحه ألا يتوقف عن العمل حتى آخر دقيقة من حياته حتى لو كان ذلك فى شكل عمل متقطع أو التزام بتدريس خبرته فى جامعة عريقة أو حتى فى الإشراف على رسائل دكتوراه وماجستير عن الدبلوماسية الدولية.
***
تعود لتتذكر كل تلك الخطابات وتقارنها بهذه الرسالة التى تحدثك عن النضج وتفصل لك معانيه وكيفية أن تعرف أنك قد نضجت ولم تشخ أو تكبر!!! كثير من الحديث هو جزء من تلك العملية لزرع الاطمئنان، ولكن يبقى جزء منه حقيقيا جدا خاصة فى ما يتعلق بالعابرين. وهم أولئك الذين ربما حسبتهم يوما أصدقاء، رفاقا، أحبة أو حتى زملاء عمل مخلصين. 
***
علمتك التجربة أن الأخيرين قد مروا كثيرا وعبروا دون أثر وبعضهم فقط قد ترك تلك البصمات التى لا تمحى وهؤلاء فى مجملهم من عرفوا أن الحياة أكبر من المصالح والمناصب وأن دورهم فيها لا يتعدى قطرة ماء أم أن يسقطوها فتترك أثرا يعبر فوقه آخرون أو يبنوا عليه أو أن يكثروا من الحديث المنمق والدراسات «المعمقة» التى لم تكن سوى بعض أوراق كتبت من خلف مكاتب فى مبان زجاجية فخمة ترى البشر ومنهم كثير من الفقراء من خلف زجاجها وتحتسى فنجان قهوتك أو ربما الكابتشينو الساخن مع كثير من الزبد كما هو ما تكتب!!! زبد كثير أو قليل من الزبد يبقى ويرحل دون ذاك الأثر. 
***
والعابرون هم من توهمت يوما أنهم أقرب إليك من الوجع وتمر السنون سريعا لتعيد القراءات وتفضل أن تقفل الصفحة أو ربما كثيرا ما تتمنى أن تنزعها مدركا أنهم فقط عابرون. 
***
هنا وفى هذه الربع أو نصف الساعة الأخير من الدقيقة المتبقية لا مساحة للعابرين هى فقط مساحات وفضاءات متسعة للمنتقين من هم الأقرب للقلب. لا مناصب عندهم ولا مآدب عشاء وغداء أو حفلات عرس من ألف ليلة وليلة أو أكثر، فقط أصدقاء وأحبة وزملاء تختلف معهم كثيرا ولكن تعرف أكثر بأن ما يجمعكم هو الود والاحترام والخوف على الآخر بل الآخرين وهموم تتقاسمونها مع رغيف الخبز الساخن فى مقهى متواضع على رصيف قذر فى مدينة تشع جمالا بناسها البسطاء الذين لا يعرفون معنى التملق والزلف والنفاق العلنى منه والمتخفى!!!
***
فى هذا العمر من الحياة التى هى أوسع من مجرد وظيفة أو مهمة وأكبر من لقب تدرك أن العابرين فى ازدياد فيكثرون هم وتبقى أنت قابضا على أولئك المنتشرين فى ربوع الكون يرسلون كثيرا من المحبة أو ربما الود فقط يحملون فى جيوب معاطفهم البسيطة بقايا صور وذكريات وعندما يشتد الحنين يأتيك صوتهم حاملا كثيرا من الدفء فى ليالى الشتاء القارصة وشديدة الوحدة، وتبدو وكأنكما قد افترقتما قبل لحظة.
***
اعبروا.. اعبروا فما أنتم سوى عابرين.. اعبروا فهنا فى هذه اللحظة لا يهم كم أنتم ولكن يهم من تكونون وكيف أنتم. 
فى هذه اللحظة أنتم مجرد عابرين.. تسقطون سريعا بل تذوبون فى مستنقع الحياة الذى اخترتموه لأنفسكم.. لأنها اللحظة التى يختار المرء فيها أن يكون عابرا.. مجرد عابر فى حياة هى أوسع من اللحظة وأكبر من مجرد الصداقة أو الزمالة العابرة.

المصدر : الشروق المصرية

المصدر