التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

استفتاء غير شعبي

أضيف بتاريخ ٠٩/٢٧/٢٠١٧
مايكل يونغ


يشرح جوست هلترمان، في مقابلة معه، لماذا يُعتبر التصويت المقرّر حول قيام الدولة الكردية مثيراً جدّاً للجدل.

جوست هلترمان هو مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، ومؤلّف كتاب "مسألة سامّة: الولايات المتحدة والعراق والهجوم الكيميائي على حلبجة" (A Poisonous Affair: America, Iraq, and the Gassing of Halabja ) الذي نُشر للمرة الأولى في العام 2007. أجرت "ديوان" مقابلة مع هلترمان، المتخصّص في الشؤون الكردية وقضايا أخرى، في أواخر آب/أغسطس لمناقشة الاستفتاء حول قيام الدولة الكردية المُزمع إجراؤه في 25 أيلول/سبتمبر. وفي تموز/يوليو الفائت، تناولت "ديوان" الاستفتاء الكردي في إطار فقرة "عقول باحثة"، ويمكن الاطّلاع عليه على هذا الرابط.

مايكل يونغ: كيف ينبغي الإطلالة على قرار رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني بإجراء استفتاء في 25 أيلول/سبتمبر المقبل بشأن قيام دولة كردية؟

جوست هلترمان: الأوضاع المحيطة بالاستفتاء غير المُلزم الذي تم الإعلان عنه بشأن استقلال إقليم كردستان العراق ومعه المناطق المتنازع عليها، في غاية التعقيد. لاشك أن الأكراد، عموماً، يعتبرون أن إقامة دولة كردية ستشكّل حلّاً للمشاكل التي لطالما كانت نابعة من فقدان السيادة على المناطق التي يشكّلون فيها غالبية السكان. لكن من هم الأكراد المعنيون بهذا الحديث؟ وفي أي منطقة أو مناطق؟ وفي ظل أي قيادة؟

لايملك الأكراد راهناً مشروعاً سياسياً يرمي إلى إقامة دولة بوصفهم أمّة. ولهذا جذور تاريخية موغلة في القدم. فمع تداعي الامبراطورية العثمانية، اقتصر الحديث حول استقلال الأكراد على منطقة صغيرة تشكّل جزءاً من تركيا الراهنة. ويقول الأكراد إنهم وُعدوا بالحصول عليها بموجب معاهدة سيفر (Sèvres ) في العام 1920، ثم سُحب منهم بعد ثلاث سنوات بموجب معاهدة لوزان. وفي العام 1946، أعلنت مجموعة من القوميين الأكراد بقيادة مصطفى بارزاني عن تشكيل كيان كردي صغير ومستقل في منطقة صغيرة من إيران، حمل اسم جمهورية مهاباد ولم يعمّر طويلاً. والآن، يقود مسعود، نجل مصطفى، هذا المسعى الجديد لتحقيق الاستقلال، وهو يشمل فقط المناطق ذات الغالبية الكردية في العراق. لكن حتى هذا الهدف يبدو بعيد المنال، بسبب الانقسامات الثقافية واللغوية والسياسية العميقة بين منطقة بهدينان الخاضعة إلى سيطرة بارزاني، وبين المنطقة المعروفة باسم سوران، وعاصمتها الواقعة في السليمانية. فأكراد سوران يؤيدون مبدئياً استقلال إقليم كردستان، لكنهم عملياً لايريديون أن يتم ذلك بقيادة بارزاني.

يونغ: نظراً إلى هذا الانقسام، ما مقدار الدعم الذي تحظى به دعوة بارزاني إلى إجراء الاستفتاء بين صفوف أكراد العراق؟

هلترمان: القيادة الكردية التي دعت إلى الاستفتاء لاتضم سوى بارزاني وحزبه الديمقراطي الكردستاني الذي يترأس. وهما يستخدمان غطاء حكومة إقليم كردستان التي يسيطران عليها بالكامل، لكنهما لايحظيان بالشرعية الكاملة فيها. إذ هما أقصيا شريكيهما في الحكومة، حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة غوران (التغيير) اللذين يقع مقرّهما في السليمانية، بفعل الصراع حول مسألة الخلافة الرئاسية قبل سنتين.

والحال أن هذا ليس الاستفتاء الأول بشأن استقلال كردستان العراق. فقد أجرت الأحزاب الكردية استفتاء آخر في العام 2005، وحصدت موافقة ساحقة. لم يكن ثمة ضرورة لإجراء استفتاء ثانٍ - لا بل ربما من غير الحكمة البتة إجراؤه في وقتٍ يبدو فيه المجتمع الكردي أكثر انقساماً بكثير مما كان عليه في العام 2005 – لكن بارزاني يعتقد على مايبدو أنه بحاجةٍ إلى إثبات جديد على أنه يحظى بدعم الأكراد، قبل أن يخوض غمار التفاوض مع بغداد بشأن إقامة دولة كردية. فهذا الدعم لاغنى عنه في المفاوضات المقبلة، التي ستكون عسيرة حتماً، حول شروط الانفصال عن العراق.

يونغ: كيف تفسّرون توقيت الاستفتاء؟ لماذا سيُجرى الآن تحديداً؟

هلترمان: يبدو أن سبب تعجيل بارزاني في إجراء الاستفتاء وإطلاق عجلة المفاوضات الآن، هو اعتقاده بأن اللحظة الراهنة هي الأنسب، أو بالأحرى أنها فرصته الأخيرة التي يجب أن يغتنمها وإلا ستُغلق الأبواب والنوافذ في وجهها مجدّداً. بارزاني ليس بحاجة إلى قراءة الغيب لإدراك أن الوضع الإقليمي يشهد تطورات متسارعة لاتصبّ بالضرورة في صالحه أو في صالح الأكراد. لقد شكّلت الولايات المتحدة حليفاً قوياً للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني منذ احتلال العراق في العام 2003، لكن دعمها يتوقّف على مدى إسهام هذين الطرفين في خدمة المصالح الأميركية الاستراتيجية. وأولويات واشنطن في المنطقة تتبدّل، وهو تحوّل بدأه الرئيس السابق باراك أوباما ولايزال متواصلاً حتى الآن مع الرئيس دونالد ترامب.

وفي حال أُلحقت الهزيمة العسكرية بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية، هل ستبقى الولايات المتحدة في حاجة إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني ليخوض معاركها بالوكالة؟ وهل ستحتاج إلى كردستان العراق ليشكّل حصناً منيعاً ضد النفوذ الإيراني في المنطقة؟ وهل ستكون مستعدّة للعب دور مباشر في المنطقة، في حال قرّرت إيران وتركيا استخدام الإقليم كساحة لحروبٍ بالوكالة؟ لاتزال الإجابات عن هذه الأسئلة غير واضحة، لكن ثمة أسباب عدّة تدفع بارزاني إلى الشعور بالقلق.

يونغ: ثمة بالتأكيد عوامل تجعل من توقيت الاستفتاء غير مناسب. أليس كذلك؟

هلترمان: بالطبع، إن كان توقيت استفتاء الاستقلال مناسباً للسبب الذي ذكرته أعلاه، فهو في غير محله لجملة من العوامل الأخرى، التي قد تقوّض مبادرة بارزاني إلى حدّ نسف النتيجة، وبالتالي حرمانه من الشرعية الشعبية التي يحتاج في المفاوضات. إن المجتمع الكردي العراقي منقسم انقساماً عميقاً، إلى درجة يمكن أن ينحدر معها إلى معارك ضروس سبق أن شهدها الإقليم من قبل في منتصف تسعينيات القرن الماضي.

يدور الصراع الأساسي حول النزعات الاستبدادية لبارزاني، لكن الأكراد يشعرون بعمق بعدم الارتياح أيضاً إزاء الحوكمة غير الكفوءة للأحزاب، والفساد المطلق المستشري على أعلى المستويات، وفي بعض الأحيان السيطرة القمعية. كما يُعتبر الإقليم أضعف على الصعيد الاقتصادي مما كانت عليه منذ سنوات. وبما أن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني رهنا المستقبل الاقتصادي للسكان على استغلال الثروات الهيدروكربونية حصراً، أدّى الانخفاض الحاد في أسعار النفط في العام 2014 إلى تسريع اندلاع أزمة بنيوية. كما أن العلاقة المضطربة بين بارزاني والقيادة العراقية في بغداد زادت الطين بلّة.

عمق هذه العلاقة لايتمحور حول مسألة استقلال كردستان، الذي يبدو أن العديد من العراقيين غير الأكراد قد تقبّلوه، بل حول حدود الدولة الكردية المستقبلية. وهنا تُطرح قضية الأراضي المتنازع عليها، وهي في الواقع مناطق تطالب بها الأحزاب الكردية منذ فترة طويلة كجزء من المنطقة الكردية. يشكّل الأكراد في بعض هذه الأراضي أغلبية، إلا أنهم ليسوا كذلك في البعض الآخر، مثل مدينة ومحافظة كركوك؛ فهم ببساطة المجموعة الأكبر فقط من السكان. وحقيقة أن في كركوك حقول نفط كبيرة لايُعتبر مسألة غير مهمة في النزاع بين إربيل وبغداد. في الواقع يحظى هذا الموضوع بحيز من الأهمية في المنافسة القائمة في مابين الأحزاب الكردية بحدّ ذاتها. وقد انتهز الحزب الديمقراطي الكردستاني الفرصة واستولى على الحقول الرئيسة في العام 2014، عندما انهار الجيش العراقي في وجه هجوم تنظيم الدولة الإسلامية، في حين تُعتبر كركوك تقليدياً منطقة سورانية مؤيدة للاتحاد الوطني الكردستاني، حيث يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بدعم محدود. وتبقى نتائج هذا السباق رهناً بالوسائل، مهما كان نوعها، التي يقرر الحزبان اعتمادها.

وكانت الأمم المتحدة، التي حاولت التوسّط للتوصّل الى حلّ متفاوض عليه للنزاعات على الأراضي قبل أقل من عقد بقليل، قد صرّحت بأنها تعارض استفتاء بارزاني، وقالت إنها لن تقوم بأي شيء من شأنه دعمه، مايعني أن نتيجة الاستفتاء ستفتقر إلى الشرعية الدولية.

يونغ: ماذا عن تركيا وإيران؟ هل تتغاضيان عن استفتاء يمكن أن يؤدي إلى إقامة دولة لأكراد العراق؟

هلترمان: كل هذه العوامل ستعقّد الجهود المبذولة لتنظيم استفتاء في المنطقة الكردية وفي أقسام من الأراضي المتنازع عليها، كما قال بارزاني ما يعتزم فعله. والأهم من ذلك أن الدول المجاورة المعارضة بشكل قاطع لفكرة إقامة دولة كردية، ستستغل هذه العوامل لمنع إجراء الاستفتاء أو تقويض شرعيته المحلية، ولاسيما في الأراضي المتنازع عليها. من جهتها، كانت إيران صريحة في معارضتها لاستقلال الأكراد، وضمّ كركوك إلى المنطقة الكردية، والاستفتاء. كذلك أعربت تركيا عن معارضتها، إلا أنها سعيدة بترك إيران تتحمل العبء الأثقل. الجدير ذكره هنا أن أنقرة تعير وزناً لعلاقتها مع بارزاني (الموجّه ضد حزب العمال الكردستاني)، لكن ليس إلى درجة دعم استقلال كردي من شأنه تعقيد الوضع التركي الداخلي.

يونغ: وماذا عن واشنطن؟

هلترمان: صرّحت الولايات المتحدة بأنها ترغب في أن يحافظ العراق على وحدة أراضيه. بكلمات أخرى، لا لاستقلال كردي، لكن نعم للمفاوضات بين إربيل وبغداد حول شروط علاقتهما داخل العراق. ويعتقد بارزاني، على مايبدو، أن باستطاعته استغلال السمعة الحسنة التي حظي بها في واشنطن على مر السنين للحصول على دعم سياسي كبير، عبر تساهل الولايات المتحدة تجاه السير خطوة إلى أمام على طريق استقلال كردستان. ربما يكون على حق، لكن عليه أن يأخذ في الاعتبار الدور الذي تلعبه كل من إيران وحليفته تركيا، التي لها رأي أهم في المسألة من واشنطن. وعلى أي حال، فقد أعربت إدارة ترامب بصراحة لبارزاني عن رغبتها في تأجيل الاستفتاء، كذلك بعثت أنقرة برسالة مماثلة. وفي هذه المرحلة، يمكننا التشكيك في ما إذا كان بإمكان بارزاني المضي قدماً في الاستفتاء. فإن فعل سيغضب الأصدقاء الوحيدين المتبقين له.

يونغ: بعد الأخذ في الحسبان كل ماسبق، على ماذا يراهن بارزاني؟

هلترمان: يدرك بارزاني كل هذه الأمور، بطبيعة الحال. وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لمَ يمضي قدماً في استفتاء على الرغم من معرفته أن مبادرته قد تنهار، ما قد يؤدي إلى فقدانه ماء الوجه وربما طبع قبلة الموت على قيادته للقضية الكردية في العراق؟ أعتقد أن بارزاني يتصرف بذكاء حيال هذا الأمر، ويضغط لإجراء الاستفتاء إلى أن يصبح جلياً أنه لن ينجح - بأي شكل من الأشكال، بفعل مزيج من العوامل المذكورة أعلاه.

في تلك الحالة، ستصبح رسالته إلى الأكراد في كل مكان دقيقة. ففي حال وصف هزيمة التطلعات الكردية هذه كخطوة مؤسفة لكن ضرورية على طريق إقامة الدولة في نهاية المطاف، قد لايتأثر إلى حدّ كبير وحتى أنه قد يتمكّن من تعزيز قضيته أمام "المجتمع الدولي". ففي خاتمة المطاف، سبق أن واجه الأكراد العديد من انتكاسات من قبل، وسيكون هذا ببساطة أحدثها. وتكمن الاستراتيجية هنا في مراكمة سجل من المطالبات والمحاولات لإقامة الدولة التي يمكن، على مر الزمن، أن تتحقق بموافقة دولية إذا ومتى سمح الوضع الإقليمي بذلك.

لكن إذا كانت هذه محاولة يائسة لممارسة شعبية قبل انغلاق نافذة الدعم الأميركي المُتخيلة، ستكون عندها محاولات بارزاني مجرد خطوة حمقاء يمكن أن تنعكس عليه سلباً على الصعيد السياسي.

Carnegie Middle East