التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

ثلاث رسائل إلى سنديانة بانياس قبل القصف

أضيف بتاريخ ١١/٢١/٢٠١٥
أيوب المزين


مضى عامان على خروجي من الشّام، وأسبوعان بأكملهما انقضيا على اتصالكِ الأخير. تتذكّرين بلا شكّ الكابوس المتكرّر الذي حكيته لكِ في إحدى المرّات. لقد بقي يطاردني، دون انقطاع، طوال الفترة السّابقة. لم أتخلّص منه رغم تعدّد الأسفار وتعاطي المهدّئات وإدمان منوّعات شُونْبِيرْغْ الموسيقيّة، المضادّة للأرق الحاد. 

وحدهم الشعراء من يعي، أكثر من المؤرّخين العازبين، أهميّة الاقتراب من الماء للإمساك بالعطش

يتوغّل ضابطان إلى الجمجمة، بزيِّ سُعاة بريد، ويعبثان بها لساعات. يحلِقان رأسي بمُدية البندقية ويَدخُلانه عبر القرنين. أراهما يحرقان كنيسة البِشارة وبوسطة البلدة وأشجار الضّيعة، حتّى تبكي الجدّة، ثم يخرجان من الحُصيْن. يدّعي العِلم أنّ الحُصيْن مخزن الذّاكرة. كانا يمزّقان أشرطته ويخرّبان خلاياه، وهاهما يغادران الآن مع حقيبة كبيرة من الأظرفة والصور. لبثا يعودان مساء كلّ يوم ليتأكّدا أنّكِ قد رحلتِ. استمرّا في النّفث والكيّ والتّهديد وهكذا، إلى أنْ اختفيتِ معهما. 

كنتُ أستفيق مرعوبًا وأفتح الكوّة على البحر. جراحٌ من الرّمل أدمتْ حافّة النّزول، من دمشق إلى عمّان، لكني لم أتوقّف عن التّفكير في جلستنا الوحيدة بالعنّازة. كان اللّيل دافئًا، وكنّا يافعين، وكانت التلة تميل إلينا كصفصافة، ونحن نتبادل الكلام على الشرفة. كنتُ مشدوهًا بهدوء المكان ومفتونًا ببياض بشرتك المتوسطية النّاصعة. واللّحظة لم أعد أراكِ، حتّى في الحلم. أصبحت خاويًا من الدّاخل تعيسًا منذ اندثرت تلك الأشباح. يبدو أنّها عزمت الرّحيل إلى مكان بعيد، وأنت معها. ويا ليتها لم تفعل. ربّما أخذتكِ إلى الحسكة أو دير الزّور، واقتلعت معها السنديانة وما عشناه تحتها. أتخيّلكِ جنب السّلاليم واقفة بساعديك القويّين، مثل خيّاطة شِباك الصّيد على جزيرة أرواد، تمدّين إليّ حبّات البلّوط وتقولين: "كُلْ من غَلّتنا". 

لقد عادت طرودٌ كثيرة موشومة بالأرقام الفارسية وبأختام الحدود، وأخرى لم ترجع، أتُرى أسقطتها الرّاجمات قبل الوصول؟ هل تربّين القرمزيّ هناك، في عينيكِ، مع كلّ هذا الدّم؟ يعرف الشّعراء طوبوغرافيا الفراق، وربما وحدهم من يعي، أكثر من المؤرّخين العازبين، أهميّة الاقتراب من الماء للإمساك بالعطش. لذلك خضعت لغوايتهم، واخترت بحر سوسة [تونس 2009] لأتعالج من كآبتي. قد أحبّ فينيقية أخرى. إنْ لم أكن قد فعلت. اكتبي لي إذن أو اتّصلي من هاتف عمومي. وإنْ لم تستطيعي، فأحدثي حسابًا على "الفيسبوك". أكون الشّخص الوحيد على قائمة الأصدقاء فيه، ويكون غلاف الصّفحة واجهة قلعة المَرقب بأحجارها الكلسيّة السّميكة، كما وصفها كتاب "النّجوم الزّاهرة" لابن تغري. أسرعي، أرجوكِ، إنّ الأشباح تغزو الشّبكات والرّسائل والقلوب. إنّها عازمة على إتلاف كلّ شيء. بأيّ ثمن. 
 
2

أريد أن أكتب إليك من جديد. أكثر فأكثر. كما في السّابق وأكثر. أرسل لكِ المراسيل من خلال الخنادق والممرّات التحتية. أبعث بها كذخيرة عسكرية أو كتعويذة مرقونة على جلد الـ"زّومبي"، نكاية بالفناء. ماذا لو أسمينا كلّ سنديانةٍ، في بانياس والقرى المجاورة، باسم يشبهها؟ 

 

كنتُ أدقّ لكِ، مدار كلّ ساعة، لأسمعكِ توشّحين صدر الغسق الحزين بالأغاني والغزل

 

أيلول بارد وماطر. ولدت فيه، وأعرف غدر شموس اليوم الثاني والعشرين منه. فكيف نحتمي من الصّقيع إذا لم ننادي الخشب: يا حطب الغابة؟ إنّ اللّغة مسكن الكائنات والأسماء علامات ميلادٍ وشواهد للموت. وأنا أسمّيكِ للحياة. لينا. لامُ الصّعود وياءٌ للمشي ونونُ نغمة المدّ الأخير. لينا، نداءٌ المستغيثين بالأشواق. يشبه اسمكِ الشّرق القديم. جميل ومجروح. استمرْتُ في مناداتكِ بعدما تركت بانياس. كنت أتسمّر عند نافذة من نوافذ الفندق المطلّ على قصر العدالة. 

أُبصر حرّاس القانون وهم يتمايلون على دفّة الباب وأتعقّب النّساء بعد الظُّهر باتجاه سوق الحميدية؛ أراكِ بينهنّ تشترين التّوابل والسّواك والعطور للمساء، وتساومين التّاجر الشّاطر بلباقة الأميرات. الحياة في دمشق انعكاس لأنوثة بانياس. أتوهّم كثيرًا يا عزيزتي، وأنا في ضاحية هذه المدينة الفرنسية [بوردو 2012]، حيث أصوّر فيلمًا تجريبيًا عن الآثار والأشباح. أرى رايات الحسين مرفوعة على مرمى البصر. المكان ليس زقاق مدحت باشا. لكن أعلام كربلاء سائرة نحو الجامع الأمويّ، كما لو كان بيتُ العزاء قد افتتح أبوابه للتو. 

لحقت السّائرين، منوَّمًا بالأنين، إلى أن نبّهني صديقي نيكولا: "لقد انتهت المظاهرة المناوئة للحرب على مالي". ألست في دمشق؟ حقًا؟ كأنّي خرجت البراحة فقط من مكتب جهاد أسعد محمّد رفقة الأصدقاء. وثمّة أمسيات باب توما. 
سهراتٌ أهمل الضّابطان محوها، في مطعم "تمر حنّة" ومشرب "سيدوري". كنّا نقهر الهزيمة، ونعاندها، بالسّمر الدمشقيّ الطّويل: الرّقص في الحارات والتسكّع بين الحوانيت والمبيت في الجبل. قاسيون الحصين. كنتُ أدقّ لكِ، مدار كلّ ساعة، لأسمعكِ توشّحين صدر الغسق الحزين بالأغاني والغزل. تلك أوقات لن تستردّها الأعمار الآتية. 

قضيت المساء الأخير في مخيّم اليرموك، وسرت إلى الحميدية صباحًا مشيًا على الأقدام. سألت بائع الأثواب الخمسيني عن الثقوب في سقف التظليلة الممتدة على طول السوق فأجاب: "خرَمها الفرنسيون قفزًا من شدّة الخوف. كان لأجدادنا شوارب مقوّسة وكانوا أبضايات". توقظني أصوات حيوانات وتشدّني أصابع وحوش آدميّة من أذني. ماذا يريد هؤلاء منّا؟ ألا يكفيهم الرّحيل والغياب؟ أم يبغون تغيير جيناتنا الوراثية لنصبح مخفيّين ومخيفين مثلهم؟

 

3

ما فائدة استنزاف الحروف إذا كانت البوارج مبحرة إلى السّاحل؟ أستفسركِ، وأسأل نفسي، عن السّبب الذي يجعل الناس يعذّبون أنفسهم، بأيديهم، وهم يكتبون إلى بعضهم البعض أثناء الحروب. يكاد اللّقاء بينهم يصير مستحيلًا وتوشك أكواب الزّيزفون السّاخن أن تُمسخ شايًا صينيًا باردًا ورديئًا، بلا طعم. 

 

هنالك زمنان: زمن للحبّ وزمن للكتابة. وزمن ثالث للترقّب، ضعيفٌ مغلوب على أمره، يسمّونه الصّمت

 

ومع ذلك يستمرّون في الكتابة، وفي الشّرب المنفرد، كما لو أنّ العبارات أسوارٌ منيعةٌ تحميهم من الصّواريخ وتَقيهم ارتدادَ القنابل على واجهات البنايات. بالصّدفة وقع نظري، هذا الصّباح، على رسم كاريكاتوري مرعب يتصدّر صحيفة عربية. ربما يكون ذلك دافعًا كافيًا لهذه الكتابة الخائفة والمرتعدة. يبدو حذاء العساكر على شكل مطحنة، كتلك التي يصنع فيها الجزّار كفتة السندويشات. كم مقاس قدميكِ؟ وما لون طلاء أظفارك المفضّل؟ فجأة، خشيتُ أن تكون الرِّجل الأخيرة التي أطاشها قلم الرّصاص رِجلكِ. لكن الأصابع، لحسن الحظّ، كانت بالأبيض والأسود، وليست نسائية بما يكفي، لأسند هذه الفرضيّة الرّهيبة. نحن البعيدين/القريبين عن المعارك معرّضون للموت مثلكم، افتراضيًا وبصريًّا، على الأقل. 

إنّ الأحذية لا تليق لغير الجنود الآن، فالجزمات إشارات للسّكون وسكاكين للإخضاع. إنّها قَطْعٌ بالنهاية. وأيّ نهاية هي. الجري بالحفاء في خلاء الرّيف فوق الشّوك والألغام. هذا ما يريدونه يا لينا؟ أليس كذلك؟ لكن تراب العنّازة لا يخون أحشاءه. يبلع جذور السنديان ليحميه من السقوط. لن يسقط أبدًا. مهما اشتدّ الضّرب. سوف يقصفون لأنّ سوق السّلاح مربحٌ ولأنّ جنونهم لا حدود له. سيحاولون هدم منارة طرطوس وإسكات الأب نيكتاريوس عن شرح قصة أيقونة بنت عِمران ذات الثلاثة أيدي. حمق كهذا لا يؤجّل النهاية الرّحيمة فحسب، بل يمنع حتّى النسيان عن الموتى. 

سافرت إلى بيروت ومكثت بها يومين. لم أخبرك بالأمر. وقد أرجع إليها دون علمك [فاس 2013]. هنالك زمنان: زمن للحبّ وزمن للكتابة. وزمن ثالث للترقّب، ضعيفٌ مغلوب على أمره، يسمّونه الصّمت. فلا تلوميني على اختفاء بطاقة العذراء الباكية في حريصا من درج مكتبك. لا وقت للّوم والمراسلات والدّموع. يجب أن أعتني بالزّهراء، وبشامة عنقها الصّغيرة، قبل أن يمتدّ القتال إلينا. أمّا أنتِ، فتمسّكي بالغصن العتيد. لا تليني. تذكّري دائمًا، يا بسمة الشاطئ الهائج، أنّ الإمام لا يغيب عن سماء الله مهما امتلأت بطائرات "الميراج" وبـ"الرّافالات" والأحقاد.