التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

2016: بيروت/كازابلانكا.. معركة الحالم بين خلاءَين

أضيف بتاريخ ١٢/١٣/٢٠١٦
أيوب المزين


إلى غيث الأمين، حارس خلاء المدينة.

أعدت اليوم قراءة رسالتك النصية الأخيرة على رقمي اللّبناني: "أيوب العزيز، اعذرني، فقد غُصت في نوم عميق بعد اتصالك بثوان قليلة. أنا آتٍ، بعد نصف ساعة. لا زلت في...؟". مضى عام على ذلك، أو يكاد، حينها التقينا في شارع المقدسي، وفهمت بعد اللّقاء الأوّل أنّك تتحمّس لمواعيد الشّوارع الفرعية والأزقة و"الزّواريب". لعلّك، مثلي، واقفاً تراقب البركان عند حافة الجبل. تحاذي الفوهة، ولا تمشي على استدارتها. لكن كيف تحرس الخراب بعدما تفيض الحمم؟ تسيل، لزجة وبطيئة، تتدفق وتسيل المدينة لتعوم فوق أحلامنا شُواظا ومعادن وصخورا منصهرة. نار ونُحاس، وننتصر. لقد قدمتُ إلى بيروت من فاس، ونسيتُ من أيّ المعابر ولجت ومن أيّها خرجت، لكني باقٍ أتمتم لازمتي: أنا الغريب، أبيع السِّواك والخلاخل، أخطأت هناك أو هنالك. أجيروني واذبحوا الدّيك أو ذروه، فقط اتركوا لي المدينة التي لا تنتهي، المدينة المطلقة التي تدمّرني وأدمّرها.

لم أجب على الرّسالة، خفت أن تخطفها الأشباح من حلق الاتصالات، واكتفيتُ بالترقب جالساً عند تلك الشرفة الهامشية رفقة فتاتين، العاجنة والمصوّرة. انتظرتك، لأنك قلت: أنا آتٍ. كنتَ مثقلا بالأعباء والمطر عشيتها، عندما وصلتَ، وكانت بيروت باردة وشاحبة، شبه فارغة، إلا من بعض المنكوبين والعملاء. وكنتُ أنا موبوءاً ببيروت، وباللازمة والاستفسار. لصالح من يعمل هؤلاء اللّيليون الحزانى والخبثاء؟ وما الذي يخطّطه لنا أولئك الأصحاب الماكرون من بلوى؟ بأي سمّ يقتلوننا؟ تحت أيّ خيمة؟ ها أنت ترى، يا صديقي، كنتُ عازما على الإقامة في كل ذلك الحطام المتراكم، لأنّك رفيق الحراسة ولأنّ هلاك الحواضر والقرى يغري الحالمين بـ"تشييد ما يبقى"، وما الذي يتبقى غير الأصحاب الشّاهدين والمتنكّرين؟

صيدلية العمران
لا أحد منّا يجزم بصدق المسافر، ولا بحسن نيّته، فهو يقايض الفضاءات ببعضها ويطلب اقتراض فرص عيشه من الإسمنت. بيد أنّ الغريب، على عكس المسافر، يحمل تعبه ويتنقّل بهشاشته، لا يرهنهما أبداً. هما سلاحه الوحيد، والدّموع للطريق والغسق، في معركة معاصرة تحتقر الرومانسيين وتعلي من شأن المضاربين. إنّها مواجهة مفتوحة بين المشيّدين والحالمين. المعلولون. ألف وواو وياء. تجتمع حروف العلّة في اسمك اليتيم فتقصد بيروت. ياي، شو مهضوم اسمك، بس نحيف، معتلّ، يوب، دع الألف، لازم تنصح عنّا! بيروت مصحّة العرب إذاً، صيدلية الحراسة، المهجّرون والهاربون والمقامرون، يأتونها طلبا في العلاج عندما تغلق أجزخانة الترك والفراعنة والإسبان والأمازيغ أبوابها.

يمرض المغربي، فيركب الرّيح مع الطيور المهاجرة، يعبر وهران وقرطاج والإسكندرية، باحثا عن الدّواء. ينسى أنّ للمدن توحّشها الخاص وأسقامها، ولها أهلها المتلوّنين، كما أنّ للأحلام نزواتها وأوهامها المنقوصة. تجذبنا لتفتك بنا، تدّخرنا للحروب والمشقات. كنت أنزل، كلّ يومين، من خلوتي في "ذوق الخراب"، متنٌ عالٍ وآخر سفليّ، من "ظبية" انحداراً نحو عين المريسة. أحكم إغلاق الباب وأقطع تلة الصنوبر، أعبر كنيسة مار إلياس والمخيم البورجوازي، ثم جسر المشاة لأرى الميناء. أين وضعت المفتاح؟ أحفظ العنوان جيداً، وأعي تقنيات القفل والمزلاج، لكن الباب موصد لا يفتح. البناية الثانية بعد النزلة القوية، أمام "ميني ماركت" ميّادة تماماً. أطرق، لا أحد يجيب.

في بيروت، شاهدت مرّة طفلا يبني عمارة بحب، ولقيت دمشقيّاً يشتاق الجزائر أسابيع قبل أن يلقي بنفسه من شاهق، ولم أصادف بائع الورد، المولود الجديد الذي رحل باكراً. تراشقت مع الفلسطينيين والسوريين والأردنيين واللبنانيين بالهوية والقلوب، حتى كدت أصاب بالتهاب القرنية الجاف، لولا لاتينية ذكّرتني بِدانتِيه وجحيمه. عرفت صنعاء هناك، عاصمة جبل السروات، رأيتها شفافة وتامة، في مسكن الصديقين فارع المسلمي وهشام الخولاني، وخزّنت بيروت قاتاً للمساء. أفضّل شارع المقدسي على الحمرا، رغم المركز العسكري والمخفر، وأستحبّ مخلّلات الجزر في ذلك الفندق المعلوم، على حانات الثوريين وتجار الحرب. ع وين يا زلمة؟ عمّان؟ القاهرة؟ رام الله؟ رايحين ع كازابلانكا!

ذئاب الغابة
عندما حلّقت الطائرة، كانت المدينة تبدو أكبر من حجمها، مضيئة وممتدة، كأنّما تحترق على طول السّاحل. غابة تلتهمها النّيران وسط المتوسط. ثم ظهرت الجزر مُنجّمَة، والآلة لم تحد عن مسارها، كذلك القدر الذي يأخذ الغريب ويعيده دون اعوجاج. يصير لاجئا أو يأوي إلى ركن شديد؟ كنت ألتفت، من خلال النافذة، كالهارب من عاصفة ثلج يتحقق ابتعاد الصّقيع وكساد البرد. ها قد ظهرت صومعة مسجد الحسن الثاني، منتصبة في عرض الأطلسي. فالوس السّلطة يشطر البرّ واليمّ. تهرب من البحر وتغرق في المحيط. تشرب من النهر ويجرفك الوادي إلى برية الوحوش. كلّ مدينة هي أسطورة ينسجها المعتلّون من هزائمهم: تبتلعك فاس، وتستنزفك بيروت لترميك إلى كازابلانكا. الدار البيضاء، بيت الذئب وعرسه ونعاجه المتناسلة. الفناء اليوميّ لكل العرفان والحكمة اللذين تنشدهما. لا الدّار دارك، ولا البياض لك.

إنّ كازابلانكا غولة حقيقية، لا تغريك بشيء ولا تدعوك للمكوث، لا تظهر ساقا ولا تغمز بالعين الملوّنة. كازا لا تخون ولا تعبث بالذاكرة، كما تفعل بيروت. تقول: شيّدني الماريشال بعدما هدّمتني السلطنة، فادخل أيها الهارب، لستَ بخارج، مهما مكرت والآخرون. حيثما تمشّيت فيها، لا تجد أسداً واحداً. ضباعٌ طموحة فقط، من بدو العربان وهمج الغرب، كأنْ تسمع فرنسياً مبنّجاً بالعطور يقول لسائق أو بائع أو متسوّل: Nous avons bâti cette ville! (نحن من شيّد هذي المدينة!)، وينسى أنّ طائرات الميراج والرافلات والأحقاد هي التي تدكّ ذخران الشّام، وأنّ الرومان قد كانوا، على قدر فخره -هو- بالتشييد، مُعتزّين بتحطيم قرطاج.

اعتلّت الحضارة وانسدّ الأفق، وما زال الغريب يحلم. إلى أين المهرب؟ جيران عجائز يشربون، من "سور الكسالى" في طنجة تراهم نازفين. وشرق يقطّع بعضه، وأشقاء على التخوم، يكيدون لك كيداً. لا تقصص إذن، يا صاحبي، يا غيث، رؤى القيامة على العابرين، ولا تعبس. إلزم سرداب الإمام ورتّل معي في الكتاب: "قال لو أنّ لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد". تحلم المدن مثلنا. ومثلها نحن، نحاول تشييد الأبواب والأسوار وإغلاق الدّاخل المبحوح بالكدمات والحروف بإحكام. نامت المدينة وبقيت متسمّراً عند النافذة أردّد: المفتاح في جيبي، لكن الباب لا يفتح.