التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

شبقية اللاّهوت.. الخطيبي متجولاً في "الرّوض العاطر"

أضيف بتاريخ ٠٢/٠٣/٢٠١٧
أيوب المزين


ما زالت الإيروتيكا، شأنها شأن موضوعات خلافية كثيرة أخرى بين التراث والحداثة، تُشكّل مأزقا حقيقياً لدى المؤلفين العرب المعاصرين، الثيولوجيين والعلمانيين، المشتغلين بالأدب منهم خاصة، وتضعهم في مواجهة عجزهم عن تشكيل أفق شبقيّ للنص، مستقل عن التصورات الاستشراقية والبورنوغرافية، وعن الإرهاصات السياسية والنفسية، أفقٌ مُتّصلٌ بسياقات أسلوبية ومفاهيمية خاصّة بالمخيال واللغة. فقد ظهرت هذه التيمة كردّة فعل، من طرف أجيال متعاقبة، على ما تعرّضت له من قمع اجتماعي وسلطوي، واقتصرت إنتاجاتها على تدوين مجموعة من الاستيهامات الجنسية والشهوانية، لفتح منفذ سهل نحو السّوق الغربية تارة، ولتكوين آلية اعتباطية تزعم التصدي للـ"مقدس" والسلطة تارة أخرى. أكر وبيضة وحجر. هكذا اعتقد كثيرون انّ تأليف أدب شبقي يتوقف على تضمينه الكلام الفاحش والحوارات السائلة، واختزلوا النص الهائج في الجسد المتدفّق، ولم يقابلوهما ببعض، بحيث يصير المتن (corpus) بلّوراً متوهّجا للنّص (corps)؛ فظلّوا حبيسي مقولات فقهية ورؤى نقدية غربية تُلخّصها الأبحاث في النوع الاجتماعي أو تجارب نصية أوروبية وأميركية (دوساد، جورج باطاي، بوكوفسكي،...) اقتطعت من سياقها وبقيت تُقرأ وتقتبس بانبهار طفولي مفتعل. 

لقد ساهمت السينما والويب والترجمة في تشكيل وعينا الجديد عن أجسادنا وعلائقنا الحميمة، وعن الأدب الذي ننتجه ونطالعه لاستثارتها وتحريك غرائزها، فيما ظلّت الدراسات والمحاولات الأدبية العربية التي تناولت القضية بأصالة وجدية مُحتشمة ونادرة حتّى، إلا إذا استثنينا المشاريع الفكرية لكلّ من عبد الكبير الخطيبي وفاطمة المرنيسي في المجال البحثي، وثلاثية محمد شكري ورواية "البكاء على الأطلال" لغالب هلسا على مستوى الإبداع الأدبي. في المقابل، أديرَ الظهر للتراث باعتباره جزءًا من "مقدّس" ينبذ "المدنّس"، وخُلط فهم خطاب الغواية في القرآن مثلا بتأويلات إيديولوجية مستسهِلة (يوسف وزليخة / كراهية الشّعر!). كان المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي (1938-2009)، الذي يتناول هذا المقال رؤيته للمسألة، قد اقترح منهجية مختلفة لمخض الإشكالية، لا الالتفاف عليها (التقليدانيون) أو الاصطدام معها (الحداثويون). على ضوء اقتراحه نسأل: ما الذي يجعلنا نتوجّس من الخلاعة الطارئة في أدبنا المعاصر؟ هل يتعلق الأمر بطهرانية ملثمة أم بحذر مشروع؟ وكيف يكون هذا المُقدّس المنبوذ نفسه مهيئا لحلول المُدنّس المرغوب؟

بلاغة الجِمَاع
يُفرد عبد الكبير الخطيبي فصلاً في كتابه "الاسم العربي الجريح" (ت: محمد بنيس - دار الجمل 2009) لقراءة كتاب "الروض العاطر في نزهة الخاطر" لصاحبه الشيخ محمد النفزاوي مستخدما إستراتيجيته المبنية على نقد مزدوج لكلّ من التراث المعطوب والحداثة المنقوصة. يكتب: "يقال، استنادا إلى الشيخ النفزاوي، أن قراءة القرآن مهيئة للجماع (...) فهو الكلام الشعائري الفاتح للشهية. إنه وسيلة الجماع. فالنص يعلن عن الجماع، والجماع يشوّه ويزوبع الكلمات وتغيراتها. وفي هذا الطفو ينطلق النص الشبقي كطاهر مذهل". لا يبتغي الخطيبي، وهو يقرأ النفزاوي، أن يلصق بالنص القرآني تهمة ولا يريد أن يقول: انظروا أيها الغربيون، نحن أيضا، بل قبلكم كان عندنا أدب خلاعي! ما يقوله الخطيبي، في تصوري، هو أن قداسة النص منتفية "فهو نظام إلهي وفاسق في آن واحد"، وأن الجنس والكتابة عنه لهما تمهيداتهما وقوانينهما ويخضعان لبيداغوجية الحلال والحرام لا لغائية القداسة والدّنس. كأننا نسمع، بصيغة مبتكرة وعميقة، الجملة التعليمية التي كان يردّدها الفقهاء وأساتذة التربية الدينية: لا حياء في الدين.

يفترض الخطيبي إذن انّ الإيروتيكا المقترحة في نص الشيخ هي قلة حياء مشروعة ووجيهة، تتأسس على ما يُسمّيه بـ"الانكشاف البيفرجي" للدليل، حيث يقوم الله بتحديد الآداب الشبقية، ثم يُشرّعها النبي وينتهي الكاتب بتدوينها. يقول: "إنّ كتاب الروض العاطر في نزهة الخاطر ليس بالضبط نصا خليعاً، كما يفهم الغرب الخلاعة على الأقل، أي كلاماً قذراً، لا قداسة له، تُغذّيه بلاغة ماجنة ذات علاقة بالسّيلان (...) فهذا النوع من الخلاعة يذيب الشّبق، إلاّ إذا فكرنا مع بارط في أن (الخلاعة كيمياء جديدة للنص، ذوبان للنص في الجسد كأنهما تحت تأثير حرارة محرقة) بطريقة تجعل هذه الدرجة من الذوبان تصل إلى الحد الذي تصبح معه الكتابة تقعيدا بتبادل اللوغوس بالجنس ويصبح معه الحديث عن الشبق ممكنا بصيغة نحوية". يستقصي الخطيبي، بهذا المعنى، مقدرة النص النفزاويّ على الجمع بين عناصر قديمة (archaïques)، قادمة من الكلام الإلهي والمعرفة الطبية التقليدية والحكاية الشعبية، وبين مؤشرات حداثة لاحقة عليه، قصدها أو لم يقصدها، ممزوجة كلها في تمرين تربوي، لغوي وطبي وقصصي، سعيا نحو شبقية لاهوتية ماجنة ومباركة.

الأكر والبيضة
يزخر التراث الديني العربي، والشمال إفريقي بالخصوص، الشعبي منه والرّسمي، بنماذج شبقية شعرية وحكائية وغنائية مُبهجة بما لا يدع مجالاً للشّك في هشاشة الطّرح الفقهي القائل بالحياد الحسي للتراث أو القول العلماني المُسيَّس بثنائيات من قبيل الطاهر/الوسخ، المحافظ/المتحرّر، الظلامي/الحداثي... إنّهما تصوّران متطابقان في النتائج مع أن حيلة اختلافهما في الأفكار تنطلي على الكثيرين. يكتب الخطيبي: "لا يوجد هنا ما يتعلّق بدوساد مسلم، يعمل على خلخلة النظام الحمدلي والاجتماعي بالأساس. يتوجه الروض العاطر إلى وزير. ويطلب الكاتب العون من الله ونبيه باستمرار. وفي الأخير نلاحظ أن بلاغة النص تقليدية، ومبتذلة في بعض الحالات (...) ولكنها تأخذ على عاقتها مهمة أن تصبح مثيرة على النحو الذي يجعل منها صناعة إلهية تضطلع بمهمة تؤدي إلى قلب مفاجئ للصور والمعاني". قد نقول أن النفزاوي حديث، لكن ليس بما فيه الكفاية، فهو غير معنيّ بتلك الحداثة، وإنّما معنيّ بأكر وبيضة أهله، وانطلاقا منهما يخلق تصوّره للفرح والمتعة المحمودة في الجماع كما عرفه أولئك الذين عاشوا تحت حكم الدولة الحفصية في القرن الخامس عشر الميلادي.

إنّ استذكار الخطيبي لنص النفزاوي، داخل كتاب يطبعه حديث الأمثال الماجنة والوشم الفاجر وقصة الطائر الناطق والخط الإلهي، ليس من باب الافتتان المتحفي أو التهافت المرحلي البوهيمي، وإنما هي عملية استقرائية صارمة وممتعة في آن للبنية الدلالية لواحد من النصوص التي تبيّن للعرب اليوم تخوم خيالهم وتخبّط إبداعهم الإيروتيكي الرّاهن في النسخ والاقتباس السّلبي (passif). يضيف الخطيبي: "ليست هناك أي مقارنة مع الماركيز دوساد، حتى في التقنية الشبقية، إذ إن شيخنا صامت عن طريقة اللواط والمص. هناك إشارات سريعة إلى سحاق النساء (وهو يُشهّر به)، وارتكاب المحارم في الحلم، وهو، مثل فرويد، يستعمل اللعب بالكلمات، ولكنه يصل إلى تفسير مغاير لتفسير التحليل النفسي (...) تركيب النص النفزاوي يبقى محدوداً بالانغلاق الإلهي، إذ يصبح التهتك استيهاماً مسترجعاً كل مرة بواسطة الفوارق الموجودة بين الطبقات الاجتماعية، حيث إن العبيد يفسقون مع جواري أسيادهم. ومثل هذا النزو العام يشبك علاقة السيد/العبد كما يقول جورج باطاي. بل أكثر من هذا، إنها خدعة ميتافيزيقية". لا يتوانى النفزاوي عن مخادعتنا لإمتاعنا، مهما كان القارئ لنصه عبوسا وتقيا، أو مدعيا حديثا لا يحب غير نتانة الغرب، سيكون مضطرا للضحك أمام الجملة الافتتاحية للرّوض: "الحمد لله الذي جعل اللذة الكبرى للرجل في فروج النساء وجعلها للنساء في أيور الرجال".

لقد قُلبت الكاف ياء، هذا ما يخبرنا به الشيخ، ياء الأكر المُحلِّق، والبيضة عُشّه وملاذه المُفضّل ومُنقلبه الأخير. إذا فسدت البيضة، انكمش المحروس وذبل في التراب. وإذا مشى فوقها، وكان يريد الدق، عليه أن يمشي على مهل ويدق بمهل، حتى لا يفقأها، مثل العين الرائية، فيفسد المكنون. كذلك يكون التوجس من تلك الخلاعة المستعجلة التي لا تعرف كيف يطبخ النص مع الجسد، بكياسة وتهيُّؤ، كما يَطبُخ الجنسُ المتعةَ والنّسلَ في الغرف والمنامات وعلى الشواطئ وفوق السطوح المهجورة وعند السماوات المرفوعة، "فالجماع والحلم والكتابة مرتبطة باللذة نفسها" ومسكونة بأبجدية خلقت الأكوان والأقاليم من مداد ومنيّ ربّانيّ ما يزال يفيض ويستفيض ويُفضي إلى البلاغة اللذيذة. قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربّي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّي.