التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

عبدالرؤوف الورتاني.. أشجان الوَتر وانحناءاته

أضيف بتاريخ ٠٦/٢٧/٢٠١٧
أيوب المزين


في العام 1314م، سافر اللاهوتي الكتلاني رامون لول للمرة الأخيرة إلى بلاد إفريقية، بعدما كان قد زارها على رأس إرساليتين استطلاعيتين وتبشيريتين. كان أبو يحيى زكرياء اللحياني، الخليفة الحفصي وقتئذ، رجلا محبّا للأدب والعلوم، ولم يمانع دخول عدو ابن رشد الألد المدينة لمناظرة الخواص والعوام حد السواء. كان لول خصما معلنا للرشدية في أوروبا، يكتب ضدها ويحرّض عليها الكنيسة لتحريمها وملاحقة أتباعها. تحكي بعض الروايات، وهي مختلفة ومتعددة، أن لول أكمل مؤلفيه الأخيرين في تونس، ومات بعدها رجما وسط الأزقة العتيقة هناك، في الحلفاوين. ومنهم من قال في بجاية، وقال آخر في المركب إبحارا نحو مايوركا. الحلفاوين هي قصدنا: تلك الساحة الهادئة، ملتقى الكهول والعاطلين، المسرح الخرافي لمقتل لول، والمجال المخاتل الذيجعل منه أنورابراهم ذخراناً لمعزوفة شهيرة وظفها المخرج فريد بوغدير في فيلمه الطويل "عصفور سطح".

ليس عبدالرؤوف الورتاني (تونس، 1983)، الملحّن والعوّاد التونسي، بالغريب عن تلك الفضاءات التي تردّد عليها لول وترعرع فيها ابراهم. فقد ولد في العاصمة، نهل من صدى أساطيرها وارتداد أصواتها، وارتوى من النبع الرقراق لإيقاعاتها وموسيقاها، الأندلسية والإفريقية، الغربية والشرقية. لم يكن لإخفاقه المبكر في المعهد الوطني للموسيقى أن يثنيه عن السعي إلى هذه الاستقامة اللحنية، الذوقية والتقنية، التي تزخر بها أعماله. فبعد توجهه لدراسة التهيئة العمرانية وهندسة المجال بباريس، سرعان ما عاد إلى عشقه الأول مشهرا سلاحه الشفاف. مات العود، عاش العود! الرجوع إلى آلة وترية إنما هي عودة إلى سلطة الوحدانية المنشطرة والشجية. والشفع والوتر والليل إذا يسر. لماذا العَوْدُ بعد الغرب؟ أي حيلة تلك التي نهجها "فارس ورتان" حتى تصالح مع الصحراء واسترجع "الكاف"؟ ولماذا هجرها بعد الصفح يا ترى؟ ألم يقل الشاعر: "كأنّ انقلاب الهجر والوصل مركبٌ/ يجور به الملاّح طورا ويهتدي؟

تونس المفقودة
صعبٌ أن تقايض مدينة بمدينة أو تبدّل حاضرة بقرية، لكن الأصعب أن تولد في عاصمة وأنت تحمل لقب بادية، وفي يدك عود حزين. لا أحد يأبه إن كانت سيرتا النوميدية هي اليوم قسنطينة أو الكاف أو ورتان، لأن أحدا لا تعنيه الأركيولوجيا. تعني "ورتان" بساتين الأشجار في لغة الشلوح. والتنزه في البساتين،كما الاستماع إلى الموسيقى، ولبس الثياب الملونة، مباح فينظر ابن حزم القرطبي. يقول الورتاني: "العود البائس، إنما هو إيحاء على العازف نفسه، أي عَليّ. فلا شيء كان يدلّ في البداية على أني سأصير موسيقيا". مع أن ألبوم عبدالرؤوف الورتاني الأول، المعنون بـ"حكايات عود بائس" (2013)، يتسم باتساق في تيمته الطربية واتحاد في عناصره الحكائية، إلا أن الإمساك بذلك البؤس يظل مستعصيا: تتناسل الأشجان بين المعزوفة الأولى "من شفق لآخر"، مرورا بـ"حكاية عود عاشق "ثم "الصفح"، فـ"الكاف، المدينة المستعادة". هكذا يخرج صديقنا في رحلة شاقة وممتعة، تجمع الفقدان بالحنين، تبدأ بالرسائل والدموع، وتنتهي بالهجر فالعودة.

لا نعرف إلى أين يعود العازف بالضبط، أ إلى العود ذاته يؤول أم إلى المنشأ. هل إلى تونس أم إلى قبيلته الأمازيغية المستعربة الواقعة ناحية الكاف، شمال العاصمة. ما نعرفه هو ضياع/إيجاد الوطن برمته في ألبوم ثنائي رافقه فيه الإيقاعي محمد أمين الجبالي. عزف رشيق، ينظمه عود ويتخلله بندير، يحمل الكثير من الشجن الباطني، وقد تشبه بعض ملامحه مشروع أنور ابراهم. يقول الورتاني: "لا مشكل لدي مع مسألة التقليد. وإذا كانت هناك مدرسة لأنور ابراهم، فإني أفتخر بالانتماء إليها. لقد تأثرت وأنا يافع بموسيقى مارسيل خليفة، لكنها لم تؤثر في المؤلف الذي صرته، رغم أني أمضيت سنوات طويلة معها، وأخال نفسي من أكثر العارفين بها". خلف تسليم الورتاني المهذب هذا بنوع معين من التقليد، اعترافا للسلف المبدع، تتخفى ماكينة نقدية تواجه مدارس العود الكلاسيكية على القدر الذي تواجه به دعوات الحداثة والتحديث. أين ينتهي التقليد إذن وأين يبدأ التجديد؟ 

ما وراء المتوسط.. سجالات التحديث
عندما غادرت دوم يونغ، عازفة البيانو الكورية الجنوبية، المجموعة الموسيقية التي التأمت حول عود الورتاني، قرر الاستعانة بالكمان الأجهر، بالإضافة إلى الساكسفون والآكورديون، للاستمرار في التجديد، وربما في التحزين أيضاً. من هنا جاء الألبوم الثاني، "حكايات ما وراء المتوسط" (2015)، في عشر مقطوعات منهمرة كشلال متلألئ عند منحدر ضيعة بوذية قصيّة: الرحيل، والجذبة المجنونة في رسائل ثلاث إلى أميمة، ومن تكون أميمة، ومكاتيب ودموع أخرى لا نعرف لأصحابها مسكنا غير الإمامة الجمالية والسفر الطويل الذي قاد الورتاني إلى بلاد الصين البعيدة لزيارة أخيه. اطلبوا العلم ولو في الصين. قالوا مكذوب. يقول عبد الرؤوف: "إنّ مشكلة التحديث، والحداثة بشكل أوسع، هي مسائل غربية بامتياز. ما أؤمن به هو وجود تقاليد تتحاور ويعبر بعضها البعض". على هذا النحو، يجعل الورتاني من تأليفه وعزفه، وكذا لملمته لآلات النفخ وذوات الأوتار وأدوات القرع بأجناس بشرية متنوعة، عبورا لنغمات مختلفة ومتباينة أحيانا، يمتزج فيها الشعبي الشمال الإفريقي بالجاز والأندلسي وما يمكن تسميته مجازفة بـ"العصري". 

إذا كانت الآثار الصوتية العربية شحيحة، ويصعب تحقيبها أو حسم القول فيها باعتبارها قضية أرشيفية، فإنّ الصواتة دائمة التجدد، وتضع سؤال الأصل في مأزق. بالنسبة لعبد الرؤوف، لا يمكن للأصل إلا أن يكون آنيا، والآن أصل يتجدد. يقول: "تتركز أطروحتي الأكاديمية في البحث عن مجددي العود داخل منظومة غير تقليدية (...) هناك طبعا تجارب أساسية مثل تجربة أنور ابراهم وربيع أبو خليل، ومن الشباب نجد ياسر رامي وعلاء زويتن. لكن إذا كنا نعيش أزمات تتعلق بالتجديد، فإننا نحتاج لمقولات مستجدة، ترافق استقراءنا للمقولات الكلاسيكية للموسيقى العربية. حينئذ لن يكون الماضي سوى صدى للحاضر". هذا الحاضر ما يزال يتجدد أمام الورتاني وهو يعلن الدخول في تجربة مستجدة يترافق فيها كل من العود والأورغ الكنسي العتيق، يدا في يد، نوتة مع نوتة، نبضا وتوحيدا.

صيف العام 2014، دخلت تونس من قرطاج وقصدت الحلفاوين لشرب الشاي عند الشجرة العتيدة المنتصبة جنب المقهى. جئتها متعقبا خليلات وخلان الجلال والهول، فأمضيت الأيام والليالي بين المنازه وأزقة الزيتونة ومسكن يوسف الصديق دون أن أجد لهم أثراً. ومن يوسف سمعت وقتها، لأوّل مرة، عن عبد الرؤوف وعن ورتان وعن الجد الذي سافر للحج، فوجده الحفيد قرنا بعد ذلك دفين مقبرة في ريف صيني. كانت نوتات "تونس، المدينة المفقودة" ترتفع داخلي، تذكي أرقي، فلا أنام إلا وأنا أصغي لصوت الشيخ علي البراق مؤذنا في التائهين لصلاة العصر.