التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

الرهانات المغدورة للسينما المغربية

أضيف بتاريخ ٠٥/١٢/٢٠١٧
حميد اتباتو


تشغل الصورة السينمائية حيزا مهما في اليومي الإنساني، وقد تكثف حضورها مع بروز وسائط عديدة تسمح بتداولها الواسع والكبير، وما يعطيها قيمة أكثر اليوم هو الارتكاز عليها من طرف مؤسسات اقتصادية وتجارية وثقافية هائلة لبرمجة الاستهلاك والدعاية للأفكار وتوجيه الناس بل وإخضاعهم لمنطق هذه الجهة أو تلك. وتستدعي الحاجة إلى الصورة السينمائية ضرورات عديدة اجتماعية وثقافية وفنية وتربوية كما تستدعيها حاجات الحروب السياسية والعسكرية و التحررية كما هو الأمر في مصر و تونس و سوريا وليبيااواليمن الخ وحاجة المحافظة على الذات ومكوناتها في واقع مميز بالصراع على الوجود في العالم، والذي تعد الصورة من بين صيغ تحقيقه، لقد أصبحت الصورة السينمائية من بين أهم الوسائط المتعددة الوظائف، حيث بإمكانها أن تخدم الكثير من الأبعاد في حياة الإنسان الحالية، إلا أن البعد المركزي الذي يمكنها أن تنهض به هو ترسيخ القيم الثقافية والرمزية والتاريخية في وعي الناس، وهذا ما يجعلها في صميم الصراعات المجتمعية،كما هو حاصل في كل الحروب الحديثة، بمعنى أن السينما حين تنتج يكون ذلك بغاية خدمة وظائف ما مرتبطة بجهة ما داخل المجتمع أو العالم، مما يعني أن الموقع الذي تنطلق منه والذي توقع داخله خطابها، هو الذي يستثمر صورتها. بالمقابل تكون المواقع الأخرى متقبلة للأثر المتعدد الأوجه الذي تنتجه الصورة السينمائية، وهكذا نجد أن من كبار الضحايا في صراعات الصورة الفئات التي لم تستطع إنجاز صور معبرة عنها أو لم تستطع فرض ذواتها في سوق الصور السينمائية، وهذا ما ينطبق على المغلوبين والمهزومين في المغرب وفي هوامش مجتمعات عديدة. ما يهم الحديث عنه أكثر هو مدى تمثيل الصورة السينمائية للمغاربة ولقلقهم الحقيقي، وهذا ما يهمنا الوقوف عنده انطلاقا من نماذج من إنتاجات السينما المغربية ومدى وعي أصحابها بوظائفها في السياق الاجتماعي الذي أنتجت فيه، ويهمنا أن نقرأ حضور هذا الوعي انطلاقا من العناصر التالية: 
  
توثيق الذاكرة الثقافية والتاريخ المضاد 
يظهر من التراكم الفيلمي الجديد في السينما المغربية أن الانشغال بالذاكرة والتاريخ المضاد مسألة مغيبة بامتياز، فما برز في هذا المجال جد قليل ومرتبط أساسا بجزء بسيط من الذاكرة الثقافية و التاريخ المضاد.لقد غاب الاشتغال على ذاكرة الثقافة والفن بشكل كبير ولا نجد الا أعمالا قليلة استحضرت بعض أوجه هذا القلق منها تلك التي وثقت عبر الجنس التسجيلي لبعض التجارب الغنائية والموسيقية  ونعني هنا فيلم «علي الصافي»، «دموع الشيخات» وفيلم «الرما» لحكيم بلعباس، وأفلام إيزة جنيني حول «طرب الآلة» و بعض الايقاعت المغربية و فيلم “الحال” لاحمد المعنوني الذي يعد النموذج الاهم لكونه اشتغل على تجربة غنائية ذات قيمة أبداعية هائلة هي تجربة ناس الغيوان  وبعض الافلام القليلة الاخرى التي وثقت لأسماء ثقافية أو فنية مثل فيلم الصافي عن الراحل أحمد البوعناني و فيلم المعنوني حول ادريس الشرايبي وبعض الحلاقات التلفزية للراحل محمد الركاب حول بعض رموز الثقافة و الابداع. تبقى أوجه عديدة من الذاكرة الإبداعية والثقافية للمغرب  مغيبة عن الاهتمام السينمائي حاليا وليس هناك من ينشغل بالتوثيق لبهاء الثقافة والفن المهمشين لهذا تندثر أوجه الكثير من الفاعلين و اعمالهم وتبدو السينما من دون أية قيمة على هذا المستوى، نقول نفس الشيء عن  التاريخ الآخر الذي يعني المغاربة البسطاء في انتظاراتهم وهزاتهم، وفي مسعاهم الحثيث نحو بناء معنى لحياتهم بنضالهم الطويل ضد المتسلط الذي يغير في ملامحه بشكل مستمر. 
  
لقد تم تسجيل الالتفات إلى جزء من هذا التاريخ، كما حصل مع «سنوات الرصاص» سابقا ومع حياة اليهود المغاربة في أفلام جديدة مثل “درب مولاي الشريف” و”جوهرة بنت الحبس” و “فين غادي يا موشي”و “وداعا أمهات”، إلا أن ذلك تم من داخل الجنس الروائي وليس من داخل الفيلم الوثائقي، مما يعني أن هذا الجنس لم يشتغل كرافعة فاعلة لخدمة الذاكرة والتاريخ كما ان الاشتغال على التاريخ الاخر استجاب لاحتياجات تصفية بعض التركة من موقع المهيمن وليس من الموقع النقيض، وبهذا تبقى السينما المغربية بعيدة عن الانتساب العميق إلى المغرب. وسيبقى المغرب العميق بثقافته وتاريخه وتراثه منسيا وسائرا نحو انمحائه التدريجي، والأخطر من هذا هو أن لا أحد يتدخل ليشهد حول ما وقع ويقع له، لأن قيمة السينما التسجيلية هي بناء مثل هذه الشهادة وهو ما لم نتوفر عليه. 
  
إحياء فاعلية الصراع 
لقد حاول المهيمن وخدامه دفع الناس إلى الاطمئنان إلى وجود سلم اجتماعي وانتفاء الحاجة إلى الصراع،الا أن  الواقع يقول عكس وهو ما تترجمه حركية التحرر المدني التي تنعشها نضالات 20 فبراير،و ذلك لأن الصراع هو الأصل في الحياة بل هو الباني لمعناها المتجدد، إلا حين يتم القتل النهائي للمضاد والمختلف والنقيض، وهذا لا يحدث إلا مع حالة الموت لشعب ما، فالصراع هو ما يطبع الحياة الاجتماعية بالمغرب، إلا أن الإبداع السينمائي غائب عن الاهتمام بذلك في الغالب، وذلك لأن الاشتغال على الصراع الاجتماعي إبداعيا أو حتى الحديث عنه بأية صيغة من الصيغ يبدو نوعا من العبث أو اللامعنى، بل إنه تهمة تربط صاحبها بأزمنة ومنظومات وأفكار وشعارات تحيل على الماضي ويؤكد الجميع أنها انتهت الآن إلى غير رجعة. بهذا الابتعاد عن حقيقة الواقع، تبتعد الأفلام المغربية عن متلقيها المفترضين وتغترب بينهم، وما يدعم اغترابها أكثر هو جعلها من اهتمامات المهيمنين قضية محورية في الاشتغال السينمائي، بما في ذلك السلم الاجتماعي، الذي يعد مقولة أساسية في فيلم «السيمفونية المغربية»، وكسب الرهان التنموي من خلال الرياضة  كما في فيلم «الحلم المغربي» وملحمية الوجود الرسمي المغربي في «انهض يا مغرب»… إلخ. 
لقد ابتعدت السينما المغربية عن الاحتياجات اللازمة للإنسان المغربي المرتبطة بالحقوق والكرامة والانسحاق الاجتماعي والاقتصادي المغيب في أغلب النماذج الجديدة. وعلى الرغم من قيمة بعض المحاور التي تم التركيز عليها (مثل المرأة – الجسد – المهمش-إفلاس العلاقات الاجتماعية –الاعتقال السياسي -اللامرئي) فإن ما يهم أكثر هو بناء رؤية فاعلة بصدد الصراع الاجتماعي وإذكاء الوعي به وموقعة الابداع السينمائي في وضعه الموضوعي اي ان يتحقق كعلاقة منخرطة بادواتها الخاصة والمتميزة في الصراع الاجتماعي و الرمزي او الا يكون نهائيا. 
  
تقليص الاغتراب 
تساهم إكراهات الهيمنة الرمزية والثقافية في دفع فئات عديدة من الناس إلى الإحساس بالاغتراب، وما يدعم هذا هو الاغتراب الاجتماعي الذي تنتجه العلاقات الإنتاجية والسياسية غير العادلة، فالمنتوج الثقافي والفني والرمزي الذي يملأ الزمن المغربي لا يستجيب لاحتياجات الناس، لأن نماذجه البشرية ومشاكلها واهتماماتها وانشغالاتها لا تشبهنا في شيء، والأخطر من هذا أن الكثير من الإنتاجات المغربية، خاصة المرتبطة بالصورة، تعكس صورة ممسوخة لنا، وهنا تبقى فئة عريضة غير ممثلة في الصور والإنتاجات المتداولة عندنا، وهو ما يعني اغترابها في النسق الرمزي، إلا أن الذي يضاعف من هذا الاغتراب هو الانسحاق المادي والاقتصادي المسنود بصمت غالبية الأطراف، بما في ذلك المبدع السينمائي الذي كان بإمكان اشتغاله على اغتراب الناس في المجتمع أن ينعش فيهم الكثير من المعاني بما في ذلك معنى الإسهام من موقعهم  في تقليصه. 
  
لقد جاءت السينما في الأصل عند روادها الكبار لتجاوز ثوابت المجال الفني والإبداعي، كما تم الارتباط بها في تجارب عديدة بغاية تثوير الواقع وتحريك ثوابته، وهو ما وجدناه عند الأسماء الكبيرة مثل ساتياجيت راي، وكلوبر روتشا، ويلمازغوني، وغوستا غافراس، وسيرغي ازنشتاين إلخ، وسيكون من الرائع أن تعود السينما المغربية  لتحيين تصورات أمثال هؤلاء أو على الأقل تصورات بعض كبار المبدعين المغاربة من المرحلة السبعينية وبداية الثمانينيات بغاية تأصيل ارتباط سينمانا بواقعها من خلال ربط الصورة السينمائية المغربية بالوظائف الفاعلة والإيجابية، والتي منها، بالإضافة إلى ما سبق ذكره، تصحيح الوعي الفني وبناء خطاب فكري وجمالي واضح يسمح بخلخلة سلبية المتلقي ودفعه إلى رفض الرداءة والقبح، وتصحيح الخلل الإبداعي عن طريق تحقيق تكامل إبداعي يقوض الثوابت الرديئة، والتخفيف من اليتم العام الذي يحكم الناس والمعمار والأشجار والمجال وكل الحياة في الجغرافيا المنسية، وفي الأخير بناء صورة إيجابية عن المغرب والمغاربة والانتساب الوطني، لأنه بهذا سيتم إحياء الأمل في إمكانية التفرج على إبداع يشبهنا، وسيكون ذلك مدعاة للافتخار به بصيغة مهرجان سينمائي أو دعم حقيقي أو كل ما تبقى، ما يبدو اليوم سؤالا جوهريا للسينما المغربية هو اغترابها ضمن الاغتراب العام للثقافة داخل ، و الذي يؤكد ذلك هو عدم اتطاعة السينما وثقافتها و رجالاتها ومهرجاناتها أن تنصت لنبض حركية التحرر المدني و تنخرط من موقعها غي اثراء فعل 20 فبراير وهو ما يجعل حيادالسينما و انسحابها بمثابة ممارسة متبلطجة تزكي قداسات المهيمن أولا و أخيرا.أكثر من هذا ان التعاطي السلبي للسينما المغربية مع حركية التحرر المدني الحالية بشكل سلبي يدفع الى اعادة تقويم نقدي جديد لانتاجات بعض الاسما التي دعمها النقد باعتبراها تنشغل بالمهمش و اللامرئي و المقصي في الواقع و الثقافة.المعني الحقيقي للممارسة السبنمائية و الثقافية اليوم بالمغرب هو الانخراط في حركية التحرر المدني من الموقع السينمائي غير هذا يكون على النقد الحقيقي محاربة هذه السينما و نقض رهاناتها و مشروعها كصيغة من صيغ أخرى لانخراظ الممارسة النقدية.