التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

هزائم الواقع واغتراب السينما في المجتمع المغربي

أضيف بتاريخ ٠٥/١٢/٢٠١٧
حميد اتباتو


إلا أن الإنصات لأشياء عديدة داخل هذا الحقل لا تبين ضيق مساحة الحوار الديموقراطي الحقيقي بصدد السينما بل تبين كذلك حقيقة اغتراب هذه السينما خاصة حين يفكر فيها انطلاقا من وظيفتها التاريخية داخل مرحلة تاريخية سمتها الانهيار والسقوط، وتغميم خطابها والخطاب حولها حيث يرغمهما واقع العلاقات الثقافية ،وضمنها العلاقات السينمائية، على الاختيار بين شيئين متضادين هما إما مسايرة الأطروحات و التصورات التي يتم تسييدها من طرف الجهة الرسمية و التابعين لها و الحصول بالتالي على مساحة ما من مجال هذه المؤسسة تسمح لك بالتعبير وأحيانا العمل خاصة بالنسبة للمحترفين وإما التشبث بالرأي الخاص الذي لا يعني بالضرورة معاداة الجهة الرسمية بقدر ما يعني عدم توفير الملاحظات والانتقادات والمواجهة إن استدعى الأمر ذلك لكل ما يبدو سلبيا في التصورات السينمائية وفي الممارسة التي منها الممارسة الخاصة إبداعا أو نقدا إلخ. يهم هذه الدراسة أن تفكر،كما الجميع ،ومن نفس الموقع الذي ينطلق منه الكثيرمن المرتبطين بالسينما و ثقافتها، في المساهمة في الحديث عن السينما المغربية والتأكيد أن السينما في المغرب لا يمكن أن يكون لها من معنى إلا حين تعي أن وجودها مرهون لاحتياجات الثقافة الوطنية واحتياجات الناس و الواقع في لحظة تاريخية جد خاصة هي لحظة الانهيار، ولهذا بالضبط نرى فاعلية الحديث عن هزائم الواقع و اغتراب السينما انطلاقا من العناصر التالية: 

 

-I- حديث السينما المغربية بين الأهواء الذاتية والمضمون الديموقراطي: 

الحديث عن السينما  المغربية، ككل نتاج فكري ، في حقيقته الاجتماعية علاقة تناقض في الصراع الإيديولوجي ومسايرة هذه الطبيعة لا يتحقق كجوهر مستقل أو وحدة متجانسة مسايرة منه للاتجانس المواقع الإيديولوجية التي ينطلق منها والمحكومة بمواقف متناقضة نحصر أهمها كالآتي. 

أ- التشاؤم النكوصي: إنه الموقف الذي يتبلور من داخل موقع لا يرى في السينما إلا تبديدا للمال العام ،وتدميرا للقيم الخاصة وتوظيفا ضد الهوية بمعناها النكوصي .فيصير الخطاب الأخلاقي ومنطق التحريم مدخلا لتحريم الممارسة الفنية عامة وممارسة السينما بشكل خاص.هكذا يعود خطاب التحريض لأدوات الأزمنة الغابرة بغاية الردع العنيف ليس للإبداع السوقي و السخيف و القبيح فقط ، بل للسينما نفسها دفاعا عن مساحة أكبر للنموذج الإبداعي المثالي الذي لن يكون ،بحسب هذه العقليات،إلا “الخطابة،وإبداع الموعظة و الأخلاق”  و ما يسمى السينما النظيفة من موقع هذه الذهنية وبذلك تتم جوهرة خطاب هذا الموقع فيتماثل مع خطاب الماضي فلا يقبل بالنتيجة أي إبداع جديد خارج إبداع الأصول وحتى حين يقبل به ظاهريا يريد له أن يتخلى عن بلاغته وأسلوبه وفنياته الخاصة في التعبير ويعوضها ببلاغة وأسلوب وفنيات إبداع الأصول.هذا المنطق حصل دوما في وجودنا الثقافي وهو ما عاشته تجارب إبداعية جديدة كثيرة منها المسرح ،و الرسم،والرواية والشعر الحديث والآن جاء دور السينما التي لا يتم الهجوم عليها في الكثير من الأحيان لأنها قبيحة  و من دون فاعلية بل لأنها من الفنون الجديدة ومن إنتاجات الزمن الحداثي .ولأنها كذلك ينظر إلى فعلها ووظيفتها وقيمتها بالكثير من التشاؤم ،ولنا في وقائع كثيرة من المجال السينمائي المغربي في السنوات الأخيرة أمثلة دالة على أن المقصود ليس  الإسفاف الإبداعي  و تعبيرية الانهيار التي لا تناقش بل السينما كفن فاعل و حداثي لا يراد له أن يبني مشروعيته في  وجودنا الثقافي والاجتماعي. 

ب: التفاؤل الطليق: إنه الموقف الذي يتبلور من داخل الموقع الرسمي وتدعمه أصوات في مجال الإبداع تنتصر للتحديث المشوه و الفارغ و للاقتحام السطحي الفاقع  للطابو و النقد المتماثل مع الرؤى السائدة  وغيرهما ويكرس في الكثير من تمظهراته منطق التعمية ليس لكونه مخطئا في منطلقاته التي قد يكون فيها الكثير من الصدق والإيجابية خاصة بالنسبة للقلة التي لها القدرة على الاقتراح والمبادرة ولكن لكونه ينشغل بتكريس ثقافة التمجيد وتجميع طابور المداحين للدفاع عن مشاريع الرسمية والتصفيق لها وبالمقابل مصادرة حق النقد من المخالفين وهذا ما يسقط هذا الموقف في التماثل مع المنطق الأبدي للمهيمن الذي لا يهمه أن يتبقى من أثر أو صدى للمخالف له و التوحد مع موقف التشاؤم النكوصي في – الاعتقاد بالحاجة إلى تضييق مساحة الحرية  –في مجال الحوار السينمائي والمصادرة للمختلف وعلى هذا الأساس يتم توزيع “الرضى” و”الدعم” على المرتبطين بالمجال والمحسوبين عليه. لقد دأب الموقع الرسمي على تمجيد مشروعه ونبذ التصورات المخالفة أو المضادة له وهكذا دفعت أسماء وتجارب إلى حافة المعاناة والنبذ والإكراه على الصمت طيلة مسارات وجود هذه السينما من خلال عدم توزيع وعرض أفلامها في السبعينيات و الثمانينيات  من القرن الماضي ،  وعدم دعم مشاريعها في السابق والآن بل ومحاصرة إشعاعها بتبريرات متحولة بتحول المراحل وتحول المسؤولين. ويبقى الثابت دوما هو الإكراه على الخضوع لمنطق خاص يقول بالتفاؤل الطليق وإلزامية التمجيد لما يقترح حتى وإن ظهرت الأعطاب واضحة كما الحال في شعار “الكم أولا” الذي يرفع في المرحلة الحالية والذي شرع الباب للكثير من التطفل والتهافت حيث أصبح الارتباط بالممارسة السينمائية الصيغة المثلى للاغتناء الخاص والاستفادة المادية والرمزية بعيدا عن أي قلق ثقافي وإبداعي حقيقي لدى الكثيرين. ميزة موقف التفاؤل الطليق هي رفضه المطلق للجدل السينمائي من خارج منطلق امتداح ما قد يكون سلبيا أو إيجابيا ، مع العلم أن ما يعد إيجابيا مثل الرفع من قيمة الدعم و من عدد الأعمال المنتجة سنويا و تكثيف دعم المهرجانات والمساهمة في إنتاج أفلام غير مغربية و تشجيع الانتاجات الأجنبية بالمغرب إلخ أشياء من صميم العمل الطبيعي للمؤسسة الرسمية التي لا يجب أن تمتدح عليها بل يجب أن تحاسب على إنجاحه بالشكل المطلوب وخارج تحقيق مثل هذه المكتسبات للحقل من موقع الواجب ستكون الجهة الرسمية من دون أية قيمة بل ومخربة للغايات التي أوجدت من أجلها. 

ج: القلق النقدي:يتبنى هذا الموقف فكرة السينما الوطنية الفاعلة و الحاجة إلى تحيينها لا يتسامى موقف القلق النقدي كمثال مقطوع عن الواقع ولا ينطبع بمواصفات الطهارة والتحريض الساذج ، كما لا يهمه أن يجعل من الأزمة الأداة الأمثل لمقاربة العلاقة السينمائية ،لكنه من جهة أخرى لا ينشغل بمقايضة أحكامه وتحليلاته برضى هذه الجهة أو تلك لأن منطلقه الأساسي هو صياغة ملامح إجابة بصدد أسئلة سينما الهزيمة وخطابها عبر التفكير فيها انطلاقا من حقيقتها الموضوعية باعتبارها علاقة ضمن العلاقات الاجتماعية والسياسية. ما ينشغل به موقف القلق النقدي هو الانطلاق من  أرضية النقض لمواجهة منطقي التشاؤم النكوصي والتفاؤل الطليق ومناصرة فاعلية السينما الأخرى وإنعاش الحاجة إلى إنضاج إبداعيتها التي لا يحركها هاجس التراكم الكمي وبلاغة الانهيار بقدر ما يحركها تجديد الجماليات و الخطاب و التجاوب مع احتياجات التاريخ في زمننا المغربي ،ومن هذا المنطلق بالضبط يهمنا أن نناقش مسألة السينما واغتراب خطابها في المجتمع المغربي وذلك انطلاقا من العناصر التالية: 

-II- الدلالة الاجتماعية للممارسة السينمائية بالمغرب: 

يفرض تناقض الرؤى  نفسه في الحديث الثقافي عامة وحديث السينما بشكل خاص تبعا لتناقض المواقع  التي تتأسس منها هذه الرؤية أو تلك، وهكذا تتغمم رؤية الإبداع الفني لاهوت الفن المؤسس على مبدأ الفن للفن، والخصوصية الإبداعية وتسامي الممارسة الفنية، وانقطاعها عن الوظيفة الاجتماعية، ولهذا يرتفع الإبداع عن سياقه الاجتماعي فيخرج عن شرطه التاريخي وطبيعي هنا أن يصير الحديث عن وظيفة الإبداع الفني مسألة خارجة عنه تترجم الإلحاق القهري لهذا المجال الخاص بمجالات أخرى بعيدة عنه كالمجتمع و السياسة وهذا غير صحيح لكون الفن “ليس عملية إبداعية ذاتية المرجع، يحققها فاعل متميز ذاتي المرجع بدوره، أي أنه فعل إبداعي يقوم بذاته ولذاته “(1) بل علاقة اجتماعية لا يستقيم تحديدها إلا بربطها بباقي العلاقات الاجتماعية الأخرى التي لا تفرض الصيغة التي يتعرف بها و الأشكال التي يعتمدها بل توجهه بحسب احتياجات هذه المرحلة التاريخية أو تلك . ما يبرزه هذا التحديد أساسا هو كون الوظيفة الاجتماعية للفن تعد المرتكز الأساسي الذي يتعرف به هذا الحقل ومجموع مكوناته التي منها السينما . فكيف تقرأ الدلالة الاجتماعية للسينما في مجتمعنا وما هي المسارات التي تشكلت في خضمها هذه الدلالة منذ بداية السينما المغربية إلى الآن؟ 

لقد توافق استنبات السينما كتقنية حداثية بالمغرب منذ المغربة إلى نموذج الانهيار مرورا بمحاولات التأصيل لهذا الفن من مداخل عديدة مع مسار مغربة علاقات المجتمع و تحديثها ما بعد الاستعمار، فكان أن بشر استنبات هذا الفن الحداثي بالمغرب وخطابه  بحلم تحديث المجتمع وإسهام السينما بفاعلية في ذلك وهذا ما نجد تعبيرا عنه في أغلبية الأفلام التي تعاقب إنتاجها لتشكل ما نسميه الآن “الفبلموغرافيا المغربية”. انشغلت السينما المغربية بالمجتمع فانتقدته وبشرت بالمستقبل وتفاوتت درجة جديتها في الانشغال بالحاضر والمستقبل إلا أن فاعلية خطابها المنشغل بالواقع لم يبرز إلا بعد أن استدعته اللحظة التاريخية انطلاقا من بداية سبعينيات القرن الماضي وهذا ما أفرز وعي رواد السينما للحقيقة التي يقوم عليها هذا الفن وهي أن معنى السينما لا يستقيم إلا بانخراطها الطبيعي في سيرورة المجتمع بشكل فاعل وأن فاعلية هذا الانخراط لا تتحقق إلا بتحقيق السينما كشكل حداثي بالفعل يقطع مع صيغه المتردية كما تجلت في النماذج الكولونيالية والميلودرامات المصرية والأعمال الأولى للمغاربة وهو ما لا يتحقق إلا بتجديد أدوات التعبير الفني وتمثل المقترحات الجمالية للتجارب الطليعية في العالم.ما دفع السينما المغربية في هذا المنحى ليس الرغبة الذاتية لمبدعيها بل الشرط التاريخي وخصوصية المرحلة حيث ألزما كل حقول المجتمع بالانخراط العضوي في الحركية التي عرفها المجتمع في تلك المرحلة ،وهو ما ترجم بصيغة أعمال أصيلة في خطابها الفكري وتجربيتها الفنية. لقد أصبح الانفتاح على الانسحاق الاجتماعي والسياسي قناعة إبداعية لدى أهم مخرجي المرحلة وهو ما أسس لظهور قلق توضيح المواصفات الوطنية من داخل تجارب أحمد البوعناني، ومومن السميحي، وجيلالي فرحاتي، ومحمد الركاب، وأحمد المعنوني، وحميد بناني، ومصطفى الدرقاوي إلخ. وعلى الرغم من أن تجارب المرحلة كانت توقع بأسماء أصحابها إلا أنها تعد نتيجة لوعي سينمائي جماعي برز أصلا من داخل تكتلات تاريخية منها “تكتلات وشمة” و”تكتل رماد الزريبة” و دينامية التحرر الاجتماعي. 

ما برز  أكثر في أفلام المرحلة هو الأبعاد الاجتماعية التي شكلت ركيزة للتخييل وهذا ما نجده في أفلام الأسماء السابقة من قبيل “وشمة” و”السراب” و”عرائس من قصب” و”الشركي” و” 44 أسطورة الليل” و”ليام أليام” و”رماد الزريبة” و”حلاق درب الفقراء” إلخ. من المحاور التي ترجمت الانتساب العميق لهذه الأفلام للصيرورة المجتمعية هناك، الاضطهاد، والبؤس الاجتماعي، ونفي الكرامة، والهيمنة الذكورية، ومحو الأنثى، وعنف العلاقات الاجتماعية واللاعدالة إلخ. لقد احتاج منطق التاريخ أن يدعم الحركية المجتمعية  الفاعلة باستدعاء شكل خاص للممارسة السينمائية تبنته النخبة المناصرة لمشروع الثقافة الوطنية الفاعلة فكان أن برز الحديث عن مشروع السينما الوطنية حاجة استعجالية لدى الأسماء الرائدة لمرحلة السبعيينات وبداية الثمانينيات ولدى رواد الأندية السينمائية وكل الذين ارتبطوا بالفن السابع في المغرب من الموقع النضالي والمضاد.التصورات الفنية والثقافية المقترحة داخل أفلام المرحلة كانت لها قيمتها إلا أن أثرها لم يتحقق كما أريد له بعد أن أكرهت علاقة الإبداع المختلفة على الخضوع لعلاقات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك السائدة و غير العادلة  حيث كانت محاصرة علاقة الإبداع وتكبيلها جد فاعلة في تعطيل فاعلية أثرها على وعي قاعدة عريضة ، فاقتنع الرواد بأعمال قليلة و بالحضور لدى جمهور نخبوي لاقته هذه الأفلام في فضاءات جامعة الأندية السينمائية  وفضاءات بعض المهرجانات السينمائية القليلة آنذاك .لهذا كله لم تنتج الأسماء القوية إلا عددا قليلا من الأفلام بل منها من انتهى إلى اليأس أو الموت بعد أن خربت المعاناة مناعته وصلابته ومن هؤلاء نذكر حميد بناني (فيلم “وشمة” [1970] والفيلم الثاني “صلاة الغائب” [1985])، وأحمد البوعناني (السراب [1980])، وبعده لم يعد لإخراج أي فيلم طويل ليعود لتجربة الأفلام القصيرة والمتوسطة ثم ليغوص في صمته بعد أن لم ترحه تجربة التعامل مع أسماء جديدة في مجال الفيلم الطويل)، وأحمد المعنوني (أخرج “ليام أليام”سنة 1978 و”الحال” سنة 1981 وانتظر ما يزيد عن ربع قرن لينجز فيلمه الثالث “قلوب محترقة” وأعضاء تكتل “رماد الزريبة” حيث لم ينجز بعضهم إلا فيلما واحدا بعده كحال “محمد الركاب” و”نور الدين گونجار” فيما انتظر “عبد القادر القطع”إلى حدود 1991 ليبدأ مسارا آخر بعد “حب في الدار البيضاء” لكن في سياق مختلف وهو ما ينطبق على “مومن السميحي” الذي حاول متابعة المسار لكن بشكل جد بطيء حيث أخرج “44  أو أسطورة الليل” سنة 1982 بعد حوالي سبع سنوات عن الفيلم الطويل الأول ثم انتظر 1988 لينجز “قفطان الحب” الذي غرق فيه في انشغالاته النفسية ليلزمه السياق الجديد بالانتساب السينمائي للتجربة المصرية “سيدة القاهرة” وبعد الكثير من الصمت عاد للتجربة الذاتية بعد أن فرضت التحولات المجتمعية مواصفات خاصة لسينما المرحلة. 

الانحباس التدريجي للانشغالات العميقة بقضايا الواقع ، كما عكستها أهم أفلام السبعينيات توافق مع التضييق على الحريات وتحرك القوى المهيمنة بكل عنف لكبح حركية المجتمع وإجهاض محاولات تحيين المبادرة الفاعلة في المجتمع والثقافة ، وعلى الرغم من الانتفاضات القوية في 1981 و1994 فقد كان لهذا العنف أن أسكت الكثير من أنفاس التمرد في الواقع والثقافة والسينما. لدعم منحى الإسكات القهري للسينما الفاعلة جاء الدعم ليفرخ تجارب سينمائية تجيب عن احتياجات المرحلة من موقع المهيمن فكان أن انشغلت بدورها بقضايا الواقع إلا أن ذلك قد تم بشكل سطحي وشعبوي عوض أن يخدم توضيح الرؤية وإنضاج الوعي الفني والثقافي أنعش الالتباس أكثر وهنا بالضبط لعبت العلاقات السينمائية الأخرى خاصة التوزيع والإنتاج والاستغلال وظيفتها لتشيد نمطا سينمائيا  و تفرضه بدعوى أنه المنتوج المفضل لدى الجمهور وكان ذلك على حساب التضييق على التجربة الأصيلة للرواد . الأكثر مأساوية أن ذلك كان على حساب فكرة تأصيل المشروع السينمائي الوطني . 

إنها الفكرة التي أصبحت بدون معنى بعد أن تواطأ أكثر من طرف مع تحولات المرحلة اللاحقة لتأكيد لا معنى خطاب واستراتيجيات ورؤى السبعينيات وبداية الثمانينيات وفرض على السينما أن تنتظر تبلور وعي جديد لدى فئة جديدة لم تتكسر طموحاتها الثقافية والإبداعية لسبب بسيط هو تواجدها في مرحلة الانهيار داخل أوطان تنعش مجاري و نقصد بذلك البلدان الغربية  الآمال فكان أن تم تحيين فكرة مشروع السينما الوطنية بشكل طبيعي في تجارب هؤلاء ولهذا عادد الواقع ليشكل قلقا في الاشتغال السينمائي وتم التركيز  أكثر على القضايا المنسية والمهمشة مع تمييز المقاربة الفنية للواقع وهكذا كانت الأفلام الأولى لأسماء من قبيل نور الدين لخماري وحكيم  بلعباس، ومراد بوسيف، وعلي الصافي، وفوزي بنسعيدي، ونرجس النجار، وياسمين قصاري، وفاطمة جبلي الوزاني، إلخ بمثابة إجابة عن احتياجات الشرط التاريخي  ، وصيغة لترجمة الوعي الإيجابي في مرحلة الانهيار، وما تميز أكثر في هذه التجارب هو عودة البعد التجريبي بملامح جديدة، والانفتاح على الواقع كقناعة مبدئية. 

برزت مع هذه  المغامرة الإبداعية الجديدة التي أسميناها “الحساسية الجديدة ”  وضعيات جديدة في حقل السينما والمجتمع من ملامحها الكبرى إغلاق  القاعات، وعودة خطاب التحريم ، وتضخم التبرم من الممارسة السينمائية وهنا بالضبط تضخم  الالتباس ليغمم هوية الممارسة السينمائية وخطابها بعد أن أصبح النظر إلى هذا الحقل يتناقض بين موقفين حصرناهما سابقا، هما موقف التفاؤل الطليق الذي يستمر في تمجيد ذاته والاحتفاء بإنتاجاته وبكم الأفلام ويرفع بشكل إيجابي من قيمة الدعم. وموقف التشاؤم النكوصي الذي تقلصت لديه الهوية لتختزل في شكليات فدفع بنقده إلى الواجهة ليحارب ظاهريا ما يسميه “الانحراف الأخلاقي ” في السينما الموجه دائما برأيه من طرف الجهات الأجنبية” التي تسند  وتوجه حسبه العلاقات والتصورات المهيمنة في الحقل، لكن ليحارب جوهريا السينما في حقيقتها كفن أولا و كفن حداثي ثانيا وليقول ضمنيا بتنظيف و أسلمة السينما وكل الفنون والثقافة إلخ. 

على النقيض من الموقفين برز موقف القلق النقدي في مجال الإبداع والنقد والبحث.. ليقول بتصور نقيض للموقفين المتضادين من مرتكزاته البارزة نذكر: 

– اعتبار العمل من أجل تجذير مشروعية الممارسة السينمائية قناعة مبدئية لا تخدم السينما فقط بل تخدم التصور البديل للمشروع المجتمعي ؛ 

– اعتبار ربط  السينما بالمشروع الثقافي الوطني  ضرورة تاريخية تستدعي تحيين فكرة المشروع السينمائي الوطني وتجديد ملامحه بحسب احتياجات المرحلة التاريخية الجديدة؛ 

– النظر إلى السينما من داخل وظيفتها وربط هذه الوظيفة باحتياجات المجتمع والتاريخ و هكذا تكون  السينما و ثقافتها في هذه المرحلة مثلا ملزمة بالانخراط العضوي في حركية التحرر المدني التي دشنتها حركة 20 فبراير. 

إنها بعض  المنطلقات التي تجعل من موقف القلق النقدي يبدو عدوا مركزيا لموقف التفاؤل الطليق خاصة حين لا يقبل بقداساته ومنطق التمجيد الذي يفرضه كشرط للاعتراف بالآخر ولأنه يقول إن “سياسة الكم ” ودعم التهافت في المجال والمحاباة بحسب القدرة على التمجيد ، والنظر إلى الدعم كهبة وليس كحق وعدم محاسبة المتهافتين على الانتفاع وليس الإبداع ، وعدم سن قواعد واضحة وموضوعية في دعم الأفلام والثقافة السينمائية و الإصدارات المرتبطة بالمجال و القتل غير الرحيم للأندية السينمائية و جامعتها أشياء خاطئة. يبدو مثل هذاالقول  ظاهريا قريبا في الكثير من الأحيان من موقف التشاؤم النكوصي الذي يستعير من الأول الكثير من مقاييس التقييم لكن ليقول “بأسلمة السينما و تنظيفها ” وليس تجذير حداثيتها إلا أنه على النقيض منه لأن القلق النقدي ينشغل بالحديث عن السينما ضمن الانشغال بآليات التوطين الفاعل و المضاد لمشروع الحداثة فيما ينشغل موقف التشاؤم بمحاربة هذا التحديث في محاربته للسينما . ما يعنيه كل هذا هو أن الحديث عن السينما المغربية تم يتحقق بشكل مقطوع عن الواقع فكان الاختلاف حول ما يراد منها في هذا الواقع، وما يراد أن تتعرف به في انتسابها للمجتمع الذي تنتج فيه، وما يراد أن تكون عليه أساليبها وأشكالها الفنية التي اقترحت من داخلها رؤية المجتمع والدلالة الاجتماعية لممارستها وخطابها وبهذا نتأكد أن السينما علاقة صراع ثقافي و إيديولوجي غير معزولة عن الصراع المجتمعي العام. ما يطرح كسؤال هنا هو هل استطاعت السينما المغربية وعي الحاجة إلى إنجاز وظائفها الفنية والاجتماعية في كل مراحلها التاريخية ؟ وهل صيغ استحضارها للواقع لم تغممها انزلاقات فكرية من داخل هذه التجربة أو تلك؟ وهل تستطيع الممارسة السينمائية أن تنعش بعض الأمل بصدد اغتراب المستقبل و اغترابها هي نفسها وانهزامها في هزيمة الواقع و هزيمة أحلام المستقبل التي كانت حقيقة مؤكدة قبل أن تحييها حركية التحرر المدني بعد 20 فبراير وهذا ما نقف عنده في العنصر الأخير. 

-III- هزائم الواقع واغتراب السينما بالمغرب: 

قلصت الصيرورة المجتمعية مساحة التفاؤل التاريخي في الواقع بشكل تدريجي ابتداء من لحظة الاستقلال إلى الآن. فبعد أن انتعشت أحلام التحرر بتحقق الدولة الوطنية وجلاء المستعمر، و بعد أن أنتجت حركية النضال والمواجهة ما يكفي من أفكار التقدم لإحياء الأمل إلى أن أصبح المستقبل مغتربا ومرهونا لأقداره المجهولة. وحين ينهزم الواقع ويغترب المستقبل تنهزم السينما بدورها، وحقل الثقافة والفن كذلك،ليس لأنها لا تستطيع إنتاج رؤى وأفكار التقدم بل لأنها تنجر للهزيمة خاصة حين لا تسندها المقاومة والنضال باعتبارهما قناعة مبدئية، والانخراط العضوي في الارتباط بالفن والواقع. حضور هذه القناعة أ و غيابها هو ما يهمنا التركيز عليه في هذا العنصر الأخير لتأكيد اغتراب السينما في الواقع المغربي المهزوم. لقد حضر التفاؤل التاريخي في السينما بدرجات متفاوتة تعكس تفاوت عضوية المنتمين إليها وعمق اقتناعهم بالتغير الاجتماعي وبإمكانية الإسهام الفاعل في هذا التغيير من داخل الحقل الثقافي والسينمائي أساسا، ودفع هذا التفاؤل إلى استنبات هذه التقنية الحداثية في واقعنا . ما يقوله هذا الاستنبات في ذاته هو مناصرة التحديث، عن وعي أو بدونه، ثم حضر كذلك من خلال مسعى تأصيل هذا الفن ابتداء من بداية السبعينيات وكان للتأصيل معنى تجديد الشكل الفني ليسمح بتقديم مضامين أهم وهو ما ترجم بصيغة أفلام كبار الرواد أمثال “حميد بناني” و”أحمد المعنوني ” و”مومن السميحي” و”محمد الركاب” إلخ. وعلى الرغم من انحباس نفس هذا المنحى التأصيلي لمرحلة فقد عاد قلقه لاحقا بعد أن تم وعي الحاجة إلى تحيين مشروع السينما الوطنية وتجديد أوجهه خاصة مع بعض رواد الحساسية الجديدة فتكرس الانفتاح على الهامشي والمنسي والممنوع بصيغ عديدة وباعتماد طرائق جمالية وإمكانيات تقنية أقرت الغالبية بقيمتها، لكن رغم كل هذا أصبحت السينما المغربية بدون أفق، بل وبدون وظيفة بعد أن اغتربت هي نفسها في الواقع وكان ذلك أن انقطعت عن العلاقة المنعشة لمعناها وهي علاقة الاستهلاك الطبيعي في القاعات . 

لقد أصبح  ما يسمى “سينما مغربية ” منذ  أواخر السبعينيت مجموعة من الأفلام  المتراكمة بغزارة، وبدعم سخي لا يقارن بما حصل منذ أن بدأت سياسة الدعم السينمائي، ليس لتوجه إلى قاعدة جماهيرية كبرى بل لتعرض في مهرجانات داخل الوطن و خارجه بحثا عن جوائز و أحاديث في الإعلام لدعم فرص أصحابها للحضور الرمزي والحصول على دعم محلي أو أجنبي لأعمال مستقبلية وهذا ما نسميه اغتراب السينما، أما هزيمتها فنقرؤها من خلال تجليات منها ما يأتي: 

أ- تعطل الفاعلية: تبين وقائع عديدة أن السينما المغربية سائرة نحو فقدان فاعليتها باعتبارها آلية للتحديث الاجتماعي، وأداة هائلة للتموقع في الصراع الاجتماعي وصيغة لإثراء المشروع الثقافي الوطني من أهمها انغلاق أحاديثها داخل قطبين متناقضين ظاهرين ومثماتلين جوهريا في استحضارهما للسينما كمثال مقطوع عن الواقع يقرؤه الموقع الأول من موقع التمجيد ومنطلق الكم والنبذ المطلق لأي نقد وتقديس المقترح الخاص الذي ينظر إليه من موقع النرجسية والكرم الذاتي وليس من موقع الواجب والمسؤولية الرسمية والتاريخية، ويقرؤه الثاني من موقع السلطة الأخلاقية ومنطق التحريم والاتهام المسبق بناء على قناعة الخصومة الثقافية مع الصورة والسينما وليس الرغبة في تصحيح الخلل. إضافة إلى هذا هناك ما أسميناه بهزيمة السينما التي لم يعد في إمكانها ملاقاة جمهورها في أماكنه الطبيعية أي قاعات العرض السينمائي، وهكذا لا تكون أي قيمة للسينما ولما تقترحه من خطابات فنية وفكرية. فالمحدد لمعنى هذه القيمة هو الاستهلاك الواسع وهذا ما لا يتحقق في الواقع. 

ب- خيانة التاريخ: نقصد بخيانة التاريخ شيئين أساسيين، الأول هو خيانة حقيقة السينما كما فرضها تاريخها أي تحققها كفن رفيع له أدواته التعبيرية المتميزة التي يعتمدها للتمايز عن بقية الأجناس ومنها تزييف الواقع لتأصيل المتخيل الفيلمي ونعني هنا الجنس الروائي الذي لا يحقق ذاته إلا بتمييز وقائعه عن الواقع وليس بالسعي إلى محاكاته والاستعارة منه كما يحصل في الكثير من أفلامنا بما فيها التي اشتغلت على الوقائع الحارقة كالعنف الذكوري، والتهميش والاعتقال السياسي والتاريخ الوطني إلخ. فالذي أربك التخييل وجماليات التعبير في مجموعة من الأفلام هو عدم وعيها لهذا التمايز بين الواقع والإبداع والذي بدونه ينتفي معنى الممارسة السينمائية. 

أما الثاني فهو خيانة حقيقة التاريخ حيث  تدفع السينما بصيغتها التسجيلية  أو الروائية لتضخيم اللبس بصدد وقائع ما كحال الاعتقال السياسي نفسه، والنضال الطلابي، وهجرة اليهود إلخ. لقد ترجمت مجموعة من الأعمال رؤية مقلوبة للتاريخ وحقيقته لغياب المعرفة بهذا التاريخ أو رغبة في خدمة الالتباسات التي يحتاج إليها التاريخ الرسمي وواقع الهيمنة الطبقية . فما حصل لمجموعة من الأفلام هو أنها أرادت الإسهام في قراءة التاريخ أو توثيقه ومن ذلك “زمن الرفاق” و”أماكننا الممنوعة” و” فين ماشي يا موشي” وهذا جد مهم إلا أن قراءتها تحققت من موقع النظرة المهيمنة والسائدة وهذا ما يخدم تاريخ الغالبين ويغمم أكثر تاريخ المغلوبين. 

ج- تغميم خطاب السينما: 

لا يمثل  الإبداع السينمائي لوحده السينما المغربية ، بل يمثلها أيضا الحديث الثقافي المرتبط بها الحديث حيث يعد حقلا موازيا للإبداع ومرتبطا به لهذا يهمنا أن نقرأ فيه هزيمة السينما واغترابها كذلك. وما قلناه عن تطور الإبداع السينمائي بموازاة مع تطور الوعي الاجتماعي نؤكده بصدد الكتابة عن السينما والحديث عنها، حيث أن هذا الحقل عرف سيرورة منها التبلور الجنيني لهذا الخطاب ثم تأصيل مضمونه باعتماد الأطروحات الإيديولوجية والسوسيولوجية وبعد ذلك  متن أرضيته الثقافية والعلمية عبر التأسيس النظري والمنهجي لمقارباته وممارسته عامة وأساسا من خلال الانفتاح الواسع على المنهجيات الحديثة وآلياتها. لكن رغم ذلك انزلقت الكتابة عن السينما نحو واقع الانهزام حيث أصبحت ترفض القراءات التي تريد للكتابة و الإبداع أن يتعرفا من داخل العلاقات الاجتماعية وفي علاقة بسيرورة الإنتاج والاستهلاك وانطلاقا من شرط القناعة بالوظيفة الاجتماعية للفن والكتابة. المسألة الأخرى المؤكدة لتغميم خطاب السينما هو انهزامه في انهزام الواقع حيث لا قيمة لما يكتب ولا أثرله بسبب شروط موضوعية جعلت القراءة عامة وقراءة ما يكتب عن السينما آخر الهموم في المجتمع المغربي ، ثم هناك الاعتماد على التضحية الفردية للمرتبطين بهذا الحقل لخلق تراكم يعامل بكثير من الإهمال سواء من طرف المؤسسة الرسمية أو من طرف المخرجين والأخطر هو استسهال عملية الكتابة عن السينما عبر ربطها بمسألة الانتفاع الشخصي وتحقيق بعض الامتيازات المادية أو المعنوية. 

الكثير مما يتم إنتاجه من الحديث عن السينما يبدو من دون موقف تهربا من “تلويث السمعة المقبولة للناقد” من طرف المتنفذين في الحقل و المسؤولين عنه. أكثر من هذا اختار البعض مماثلة خطابه و مواقفه مع الخطاب الرسمي و أصبح يؤسس لفعله من داخل الموقع الرسمي بل إن أغلب  التكتلات المؤطرة أو العفوية في المجال لا تفرز بناء على نوعية الاحتياجات التاريخية للسينما و الثقافة و المجتمع بل بناء على منطلقات ذاتية ضيقة و تصفية حسابات بصدد زعامات و همية و رهانات مغلوطة تعصف بما هو جوهري و هو إعادة الفرز بحسب الانتساب المبدئي لمواقع الصراع العام التي لها ما يمثلها في حقل السينما و ثقافتها.عدم توضيح هذه التموقعات بدقة  لا يغمم الكتابة عن السينما فقط بل يهزمها ويدعم انهزام السينما لتصير فن الواقع المهزوم بامتياز.الخلوص إلى تأكيد انهزام السينما و اغترابها ضمن انهزام الواقع قراءة موضوعية تنطلق مما اعتبرناه وقائع ملموسة قبل انتعاش حركية التحرر المدني بمبادرة حركة 20 فبراير إلا أن هذا المعطى له قيمته الكبرى يكون من اللازم العودة للموضوع من مدخل آخر هو “السينما المغربية و حركية التحرر المدني”، نقرأ فيه أساسا ماهية سينما الثورة ، و احتياجات لحظة 20 فبراير وما بعدها ، و صيغ حضور السينما المغربية و ثقافتها  في هذه اللحظة و الرهانات المفروض أن تنضجها هذه السينما خدمة للتاريخ و لإبداعيتها البديلة بالفعل. 

هامش: 

فيصل دراج، الواقع و المثال ،دار الفكر الجديد ،بيروت ،1989،ص 294