التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

المسرح المغربي : من كفاحية الماضي إلى ضبابية الحاضر

أضيف بتاريخ ٠٨/٢٥/٢٠١٧
حميد اتباتو


تشكل المسرح المغربي في سياقات تاريخية فرضت عليه أن يشكل ثوابته وفق احتياجات هذه السياقات، وهكذا كان عليه أن يكون إبدالاته بشكل تدريجي وبطيء، غالبا ما أعطى الانطباع  بأن أي إبدال في الممارسة المسرحية بالمغرب هو بمثابة ثابت لا يمكن تجاوزه، وهذا ما يدفع إلى التساؤل التالي: هل ما يتعرف به المسرح المغربي حاليا صيغة للتجاوز أم أرضية للتثبيت، وهل ما يقترح في المجال يدعم التجديد في الامتداد أم يوضح ملامح التراجع عما عد وجها مشرقا لمسرحنا المغربي في عقود سابقة؟ نقول ذلك لأن  القلق الذي تحكم في مسرحيي الامس بدأ في الواقع و انتهى فيه حيث كان المسرح صيغة لترجمة الموقف من الواقع اولا و أخيرا ، وفي الموقف من الواقع انعكس الموقف من المسرح  ومن ما يجب ان تكون عليه ادواته الفنية وخطابه الفكري، ولأن مسرحنا اليوم يقطع مع كان يتحدد به فيبدأ وينتهي في أوهام المرتبطين به الذين يريدون له أن يقطع عن حقيقته وهي كونه فضاء لممارسة الصراع الاجتماعي.إبعاد المسرح المغربي غاية انشغلت بها المؤسسة الثقافية الرسمية و السياسة الثقافية المهيمنة و انجرّ اليها الكثير من أهل المسرح ،عن وعي أو بدونه، لكن في ركن ما من أركان مسرحنا بقي هناك من يقاوم  اندحار التصورات الكفاحية للمسرح ،وقبل التأمل في الراهن الغائم للمسرح المغربي نقف بداية  على ثوابت ماضيه التي منها كفاحيته. 

 

1 ثوابت الماضي  
 ألزمت ظروف عديدة  المسرح بالمغرب بأن يتشكل  وفق ثوابت منها:  
– التبعية للآخر: كان لظروف النشأة أن ربطت الممارسة المسرحية بالآخر،  فبدأ مسرحنا في البحث عن ملامحه الأولى بالنهل من مصدرين بارزين هما المسرح الغربي والمسرح العربي، ولأن ما ارتبطت به نشأة المسرح بالمغرب هو نوع خاص من المسرح، فقد شكل اعتماد النصوص المسرحية ذات النمط التقليدي أساسا للمسرح المغربي، سواء بالنسبة إلى تقديمها كما هي ، أو بالنسبة إلى اقتباسها. ما تم ترسيخه عبر هذا هو ثابت يهم جنس الكتابة وهويتها، وهكذا كان البرنامج الجمالي والإبداعي التقليدي أهم ما ميز المسرح المغربي في مرحلتي الاستنبات و المغربة، وعبره تم تثبيت نوع خاص من الخطاب لم يخرج عن المهادنة والنقد السطحي للواقع. وقد تحولت لاحقا التبعية للنموذج الغربي إلى التبعية للنموذج الأول المحقق لها، وتجلى ذلك  أساسا في ممارسة  مجموع الفرق التي تم ربطها بالمؤسسة الرسمية منذ بداية مرحلة الاستقلال.ما سيضخم في هذه المرحلة هو الاقتباس من المسرح الفرنسي وفق تصور ينشغل بالبحث عن الاضحاك أولا و أخيرا و لهذا بدت أعمال موليير في تجربة احمد الطيب العلج مسطحة كثيرا. 

أ: الانشغال المتهافت بالتراث                                                                                                                                                                                                 ألزم وعي الحاجة إلى الاستقلال والتحرر  الجميع بإعلان الرغبة في ربط ممارسته بما هو خاص، سواء في المسرح أو في باقي الحقول الاجتماعية الأخرى، وهكذا فتح معبر واسع نحو التراث في المسرح المغربي، لم يكن بغاية التأصيل الفاعل إلا بالنسبة إلى اتجاه خاص ربط الانفتاح على التراث بتثوير الممارسة المسرحية، وقدا وجدت أسماء عديدة في المادة التراثية ما أرادته للتمييز السطحي والشكلي لمسرحها من جهة، وتثبيت نمطها الإبداعي باعتباره أصيلا ومتميزا، ويقطع مع أي شكل من التبعية، وهذا ما اقتنعت به أسماء عديدة روج لقيمة إسهامها التأصيلي، مع العلم أن ما تكرس عبر هذا النموذج ليس إلا تجارب شعبوية عوضت التبعية للآخر بالتبعية للمؤسسة الرسمية، وجعلت من التراث غطاء للتعمية وتكريس الالتباس وتقديم خطاب مغالط بصدد الواقع وبصدد الممارسة المسرحية ووظائفها. إنه المسرح الذي بدأ مع الفرق التابعة للمؤسسات الرسمية، واستمر لاحقا بصيغة المسرح التجاري.لقد انغرس التهافت على التراث من داخل التجارب التي تبلورت ملامحها بناء على تصورات المسرح الشعبي التي سعى اندري فوازان اساسا الى غرسها في أعماق المستفيدين من تداريبه فانتهت بصيغة إنجازات باحثة عن الابهار الشكلي  لدي الطيب الصديقي أو الفكاهة الفارغة لدى الطيب العلج. 

ب-وعي التمايز كضرورة اجتماعية   
ألزمت الشروط التاريخية الممارسة المسرحية عامة بوعي الحاجة إلى التمايز، وهذا ما تمت الاستجابة له من مدخلين بارزين هما:   
أولا: مدخل المسرح الاحترافي:  كانت صيغته هي التهافت على التراث والنقد السطحي والفج للواقع، والسعي إلى الإبهار والغواية عبر اللغة والملابس والفكاهة، إلا أنه وعلى الرغم من أن هذا الأمر قد طبع غالبية تجاربه، فإن تجارب خاصة من داخل الاحتراف استطاعت الانفلات من منطقه بعد أن أسعفها الانفتاح على بعض مشاريع المسرح الشعبي، كما جسدها جان فيلار أو حتى أطروحات أندري فوازان، فبنت لها تجربة رائدة على مستوى الاقتراح والمبادرة ليس في ما يخص الكتابة المسرحية أو الإخراج أو مرتكزات بناء الفرجة المسرحية، بل أيضا على مستوى المكان المسرحي وفضاء العرض واحتياجات الجمهور، ونقصد هنا أساسا تجربة الطيب الصديقي في مراحلها الأولى. لكن رغم كل شيء، فالتمايز الفاعل هو الذي أفرزه وعي آخر نقيض من داخل مسرح الهواة.                                                                                                                                                                                                                                                                                                            ثانيا:مدخل مسرح الهواة  
تظهر فاعلية وعي التمايز من مدخل الهواة  أساسا في ربطه لممارسته  بالحاجة الاجتماعية وتأسيسها على التاريخ و احتياجاته، وهذا جد مهم لأن ذلك شكل أرضية للقطع مع منطق التبعية، و اعتماد استراتيجية «الخلق والتجاوز» كأساس متحرك يجعل المسرح خادما للمجتمع حسب احتياجاته المتحولة. وعي التمايز في مسرح الهواة استدعى بدوره العودة إلى التراث ليس لإسقاطه على الحاضر بل لاستلهام مادته المتنورة والإيجابية والحية وتوظيفها لقراءة الواقع والبحث عنما يفيد  المستقبل، ولهذا بالضبط احتاج إلى أرضية نظرية أسعفته في بناء رؤيته للتمايز وفي نقدها، وفي تحديد الأطر الفكرية للممارسة الإبداعية، وهكذا تفرع الفعل  المسرحي إلى مستويين يرتبطان بشكل جدلي هما الممارسة والتنظير، وهذا ما أعطى التجارب الرائدة في المسرح المغربي، من قبيل المسرح الثالث والمسرح الفقير ومسرح المرحلة ومسرح النفي والشهادة و المسرح الاحتفالي والمسرح التسجيلي…  
                           
إن وعي التمايز هذا لم يعط فقط إسهامات نظرية تؤطر الممارسة وتسعفها على تجاوز أعطابها واختلالاتها، بل أعطى أيضا تجارب رائدة تنفتح على اتجاهات الاختلاف والمسرح المضاد، ذلك الذي لا ينطلق من تمركز مرضي ما، بل يتأسس على فكرة الإسهام الإنساني في مسرح لكل الناس ولكل الإنسانية، كما تجسد في المسرح الملحمي والمسرح السياسي ومسرح القسوة، ومسرح الطليعة، ومسرح الموت، والمسرح التسجيلي…لقد راكم رواد مسرح الهواة تراكما نوعيا في التنظير و الكتابة و الإخراج و التشخيص بإسهام رواد كبار هم من يتعرف بهم المسرح المغربي الحقيقي أمثال الراحلين محمد  مسكين  و محمد تيمد و محمد الكغاط و حوري الحسين و الذين لازالوا أحياء مثل عبد الكريم برشيد و المسكيني الصغير و عبد القادر اعبابو و سعد الله عبد المجيد الخ. تجلى  وعي التمايز بشكل نوعي في فهم حقيقة المسرح كحقل للصراع الذي يلزم المسرح بتوضيح انتسابه الاجتماعي عبر توضيح انتسابه الجمالي و المعرفي ، وهكذا كان الاتكاء على الاطروحات الجديدة والمرجعيات المضادة للسائد الثقافي و الجمالي إجابة في صميم الصراع الإجتماعي ،كما تجلى أيضا في إدراك مختلف لما يجب ان تكون عليه هوية المسرح المغربي فحددها محمد مسكين مثلا في فك الارتباط بالبرنامج الثقافي للمؤسسة الثقافية الرسمية و خطابها والعمل من اجل إرجاع وسائل الإنتاج المسرحي إلى الشعب ،وربط هذا الفن بالواقع الموضوعي للمسرح ذاته و بجماهيره و بملامح التمرد و النقد و الهامشية فيما حصرها المسكيني الصغير في فهم الواقع وحل تناقضاته و القطع مع الانتساب لمركزية القرار الثقافي من خلال تأسيس رؤية الاختلاف في هذا المسرح .رؤية الاختلاف لم تكن عند الراحل حوري الحسين الا تجديد وعي الناس بواقع الاستغلال  و الاضطهاد لان المسرح حسبه واجهة للنضال. على الرغم من كل الزخم ميز مسرح الهواة  فإن ظروفا عديدة دفعت الممارسة النظرية والإبداعية لدى الهواة إلى الانحباس، لينحبس الفعل  الحقيقي للمسرح المغربي، وهو ما اقترحت له المؤسسة الرسمية صيغا للتجاوز و التي تعني أيضا صيغا لنسيانه النهائي، وهذا ما نقف عنده في العنصر التالي. 

2:إبدالات الحاضر  
لا يعني حاضر المسرح المغربي  تاريخا محددا أو إنتاجات سنة أو سنوات معينة، بل يعني بروز ملامح جديدة تشكل إبدالا على ما  اعتبرناه ثابتا في المرحلة الماضية، كما بينا  ذلك في العنصر الأول. وما يبرز كمعطيات جديدة هو أولا توقف المحطات الرائدة للهواة بما في ذلك بعض المهرجانات كمهرجان الهواة بأكادير ومهرجان رواد الخشبة بمكناس، وانحباس البعد التنظيري في هذا المسرح، وتوقف أو فتور أو تحول بعض الفرق التي طبعت تجربة الهواة بشكل بارز من قبيل المسرح العمالي بوجدة، وأنوار سوس بأكادير، ورواد الخشبة بمكناس، وهواة المسرح بفاس، ونادي خشبة الحي بمراكش… وقد تزكى ذلك ببروز مبادرات عديدة في المجال، شكلت أحد الإبدالات الجديدة التي تنضاف إلى إبدالات جمالية وفكرية وأخرى نحصر أهمها في ما يأتي: 

أ :تعميم شعار الاحتراف   
على الرغم من أن الاحتراف المسرحي برز قديما في الحديث عن المسرح المغربي، ومنذ التداريب الأولى التي أشرف عليها بعض الأجانب، فإنه يبدو غير قائم على معنى واضح، مادام أن غالبية المسرحيين لا يعيشون من المسرح بل من وظائف أخرى، بمن في ذلك مجموع خريجي المعهد المسرحي، وهكذا أصبح الاحتراف في المغرب يعني بعض مميزات أسلوب عمل المحترفين مثل الخبرة الفنية، والدراسة الأكاديمية وعدم الاندراج في مجموعة الهواة والارتباط بمؤسسات غير هاوية، ثم أخيرا القدرة على توفير ملف طلب الدعم، ولا يهم الحصول عليه أم لا، لأن المشاركة في مسابقة الدعم وتوفير ملف لذلك جد كاف لولوج عالم الاحتراف المسرحي بالمغرب.  انضاف إلى كل هذا الآن بطاقة الفنان التي تميز الفنان المحترف عن غيره حسب المنطق الرسمي، مع العلم أن احتراف الفن بالبطاقة يتماثل مع الانتساب إلى الوطن ببطاقة التعريف، مع العلم أن المواطنة تعني أشياء أخرى عديدة ليس ضمنها امتلاك البطاقة الوطنية. الأساسي أن الاحتراف شكل إبدالا جوهريا للمسرح المغربي من الموقع السمي، لأنه بعد الحديث عنه في بعض المناظرات واللقاءات، وإقراره بمبادرات تهافت الجميع على ولوج عوالمه، أما من بقي خارج مجال الاحتراف بدا عمله وإسهامه كلعب أطفال أو ممارسة من دون أية قيمة، وهنا بالضبط برزأكثر  الإيقاف القهري لمعنى الهواة وإسهامهم وفعلهم، وما عجل بتعميم شعار الاحتراف والتهافت عليه هو الدعم المادي. 

 ب:غواية الدعم الرسمي  
برز مشروع الدعم المادي للفرق المسرحية على شرط اندراجها في عالم الاحتراف باعتباره الحل المثالي لإشكالات المسرح المغربي، وكان ذلك في موسم 1998-1999، وهو ما سمح باستفادة العديد من التجارب من الدعم الرسمي الذي أثار في البداية ردود فعل كثيرة، بحسب ما اعتبر محددات الاحتراف ثم بسبب قيمته، لأن ما صار يثيره لاحقا من نقاش أصبح يرتبط فقط بالحصول عليه أو عدم الاستفادة من حصة الموسم. على الرغم من أن الدعم من المفترض أن  يقدم  اللممارسين جميعا، لأن ما يعطى لهم ليس هبة من أحد، فالذي يطرح كسؤال هو: أين نصيب الهواة من دعم المسرح؟ و أين نصيب المسرح المدرسي؟و ما الذي يضيفه المسرح المدعوم للمسرح الوطني؟و ما معنى أن يتم دعم مسرح لا يشاهده المغاربة أو ليشاهد بشكل جد محدود داخل بعض المراكز الكبرى؟ أليس من اللاعدالة الا تتاح لكل ساكنة المغرب المنسي و المهمش مشاهدة ما يدعم من أعمال في كل موسم؟ لقد أصبح الدعم الأداة الأساسية لخلق حركية مسرحية وهذا جد مهم، لكن ما يطرحه كإشكال هو: كم من فرقة بإمكانها البحث عن إمكانيات أخرى للتمويل قبل الحصول على الدعم أو بعده؟ وهل ما يحصل عليه المسرحي يكفيه ليعمق ارتباطه بالمسرح وبممارسته؟ ودون أن نبحث عن إجابة، يمكن أن نتساءل عن عدد الناس الذين غادروا المسرح وارتبطوا بشكل مطلق بالسينما والتلفزيون. الدعم بصيغته المعروفة عمق عزلة المسرح أكثر ومتن ارتباطه بالمؤسسة الرسمية و خرب الكثير مما  بناه الهواة ليس لأن المسرح عليه أن يعيش بدون إمكانيات مادية ، بل لأن إنضاج الممارسة المسرحية و حماية فعلها و وظيفتها     يتأسسان على سياسة وطنية حقيقية ترى في الثقافة و الفن ما يخدم العدالة  و الديموقراطية و المساواة لا ما يضببها خدمة لتابيد الهيمنة. الدعم بصيغته المألوفة لم يعد يقننع أحدا لهذا اقترحت وزارة الثقافة بشكل منفرد  مشروع إ عادة تحديد  كيفية دعم إنتاج الأعمال المسرحية و ترويجها .و سواء تم القبول بالمقترح أم لا فالأهم قد تحقق وهو إقبار استقلالية المسرح المغربي و كفاحيته.  
                                                                       
3 : هزائم المسرح المغربي  
 لا يمكن استحضار مسرحنا اليوم الا من موقع انهزامه في هزيمة الواقع الذي ينتمي إليه و هزيمة المسرح ليست قدرا ملازما له منذ وجوده  ،بل نهاية أكره عليها بسبب اختيارات غير عادلة ، وغير وطنية ليس في حقل الثقافة فقط بل في السياسة و تدبير شؤؤن المجتمع كذلك.لقد بدأ مسرحنا منتصرا عهد الاستعمار و بعده و انتهى مهزوما ، وما تتعرف به هزيمة المسرح المغربي اليوم هو أوجه عديدة نحصر منها ما ياتي:  
                                                     
أ:إقبار جاذبية المسرح  
بعد أن كان المسرح مجال الممارسة الفنية المفضل في ما سبق، وكانت المجالات الأخرى كالسينما مكملة له فقط، أصبح الآن معبرا للكثيرين، خاصة بعد أن أفنى الإهمال وصيغة الدعم جاذبيته، وبعد أن أصبح للسينما والتلفزيون جاذبية أكبر. ففي الوقت الذي تضاعفت فيه إنتاجات السينما والتلفزيون وتضاعف الدعم بالملايير، بقي المسرح يعيش فقره حتى بالنسبة إلى المحظوظين الذين يحصلون على الدعم في هذا الموسم أو ذاك. فالكثير من الفرق لم تعد تشتغل بعد أن جربت حظها مع الدعم لمرات قليلة، ومن أكبر خسارات المسرح المغربي توقف فرقة مسرح الشمس التي تميزت بأعمالها وإبداعيتها والأعضاء الممثلين فيها، الذين غادر معظمهم مجال المسرح نهائيا والتحق آخرون بفرق أخرى، وهناك الكثير من أمثلة هذه الفرقة في واقعنا المسرحي، حيث أجبرت حسابات الدعم ومحسوبية لجان الدعم أو البرمجة في المهرجانات أو المشاركة في بعض اللقاءات على إدارة الظهر لتاريخ من الانجذاب إلى الفن المسرحي.المسرحي اليوم ليس بإمكانه أن يعيش من المسرح ، و ما قد يوفره الدعم لا يمكن أن ينتج أعمالا بشكل مريح ، وهكذا تكون العودة إلى المسرح بالنسبة للكثيرين،إن حصلت، فمن أجل إرواء عابر لحنين الخشبة ، أو من أجل مساندة رفاق الامس الذين لم يسعفهم الحظ مع السينما و التليفزيون أو لان الغاية من الممارسة المسرحية ليست لها علاقة بالخبز اليومي و هذا حال بعض الموظفين في مهن قارة و مريحة.ما يؤكد هذا هو الانسحاب شبه النهائي لبعض رموز المسرح المغربي من امثال محمد مفتاح و محمد خيي و محمد بصطاوي و شفيق السحيمي و غيرهم.ما يفني أكثر جاذبية المسرح المغربي هو مركزة عروضه ببعض المدن الكبرى. 

ب:مركزة الفرجة المسرحية  
ما يعاش كمفارقة في مجالنا المسرحي هو أنه في الوقت الذي لم يكن هناك أي دعم حقيقي ولا بنيات ولا وسائل النقل في المستوى، كان المغاربة في الكثير من المراكز الصغرى بل والقرى يحلمون بوصول بعض الفرق المسرحية إليهم ، والتفرج مباشرة على فن ألفوا صيغته في الفرجات الشعبية مثل  الحلقة والبساط وازلان وايمديازن وسونا وبوجلود… الخ، لكن مساحة تقديم الفرجة المسرحية الآن تقلصت كثيرا، وهناك ما لا يحصى من المناطق بالمغرب لا تعرف أي شيء اسمه المسرح المغربي باستثناء ما تتكرم به عليها القنوات التلفزية.  
لقد تمت مركزة العروض المسرحية أكثر في محور الرباط والدار البيضاء، وحتى بعض المدن الكبيرة ينتظر عشاق المسرح بها طويلا قبل أن يتم الإعلان عن عرض مسرحي . فإلزام الفرق بتقديم مجموعة من العروض دفع البعض إلى البحث عن شهادات تقر زورا بعرض مسرحيات في بعض المناطق، وتفعيل نسبة مائوية من ميزانية الجماعات لدعم الثقافة والمسرح جزء من الخيال، وحتى من يفعل ذلك نسبيا يكون لغايات انتفاعية أو مراعاة للقرب من الجهات، وما يعنيه هذا هو أن كل المسرح الذي ترصد له ميزانية الدعم لا يقدم إلا إلى فئة محدودة، هي فئة المراكز، مما يعني أن مركزية المسرح عوضت الآن جماهيريته التي بحث عنها المحترفون الأوائل وأدى من أجلها الهواة أثمنة باهظة. 

ج: تعطيل حركية التأليف المسرحي  
تفضي مقارنة حركة التأليف المسرحي حاليا مع ما تم إنجاوه في مرحلة سابقة إلى ـاكيد انحباس تجربة التأليف بشكل كبير ، وما يبين ذلك هو انكماش الكثير من مؤلفي الأمس البهي .طبعا هذا لا يعني عدم وجود أسماء جديدة في حقل التأليف ومن أبرزهم الكاتب الزبير بن بوشتى الذي يسير على نهج الاسماء الكبيرة في المجال حيث راكم أعمالا ذات قيمة مضافة واضحة،وهناك أيضا أسماء أخرى تترجم الانشغال الحارق بالكتابةالمسرحية على الرغم من قلة ما ألفته أمثال ادريس اكسيكس و أمين بنيوبو ادريس الروخ الخ .ما يبدو كعائق أساسي أمام تفعيل  حركية التأليف المسرحي هو تكريس التصور الاحترافي الجديد للاقتباس و “البريكولاج” في مجال الكتابة قاعدة لا ترتفع في مسرحنا بدعوى أن ما يوجد من نصوص مغربية لا يفي بالغرض أو لدواعي أخرى وهذا غير صحيح لكون ا لداعي إلى الاقتباس من الأعمال الاجنبية هو التهرب من حقوق المؤلف ،و تثبيت صورة المخرج المقتبس سلطة مطلقة و موضة لتمييز مسرح سياسة الدعم.الشيئ الآخر الذي تجب الإشارة إليه هو أن المسؤولين  على سياسة الدعم لم يؤسسوا تصورهم للاحتراف و الدعم و تنظيم مهرجان وطني للمسرح أشياء أخرى بما هو جوهري .أي بإنضاج معنى الممارسة المسرحية المغربية ،وبناء ملامحها الوطنية ، وخلق تراكم في مجالي التأليف و النشر  المسرحيين , وفي ما يتجاور معهما من حقول مثل التنظير و النقد و البحث و التكوين الخ.إنه وضع غير طبيعي لا يمكنه أن ينتفي إلا بانتفاء الشروط التي تنتجه ومنها التصورات الرسمية لماهية المسرح و لكيفية إنضاج ديناميته. 

 د:من الفاعلية إلى القداس   
تسمح معطيات بالقول إنه بالغم من كل التشاؤم الذي تذكيه وقائع عديدة فالممارسة المسرحية الحالية سمحت ببروز أسماء في الإخراج والتأليف والاقتباس والسينوغرافيا والتشخيص، بإمكانها أن تجعل من تحيين «التأصيل الفاعل المشروع المسرح الوطني» مسألة ممكنة لو توفرت لها كل شروط العمل ، وهو ما نقف عنده في بعض العروض القليلة  من البرنامج العام لمهرجانات المسرح الوطني بمكناس، من مثل ما سبق أن قدمته   فرقة أفروديت أو الشامات أو  سيوان أو نون …  وبعض ما  وقعه كتابة أو إخراجا بوسلهام الضعيف، أو عبد المجيد الهواس، أو عبد العاطي لمباركي، أو بوسرحان الزيتوني أو الزبير بن بوشتى أو أسماء اخرى تنشغل بتوضيح الانتساب الأمازيغي للمسرح المغربي رغم كل الحصار و سوء الفهم خاصة بالحسيمة و الناظور و أكادير و تيزنيت… لقد أدركت مجموعة من الأسماء أن تحيين المشروع المسرحي الوطني مسألة ممكنة يمكن أن تنطلق من بناء أوجهه الجمالية والفنية باعتماد التجريب الفاعل، بغاية تمكنيه من حمل نفس الخطابات التي شغلت مسرح الهواة دوما، وهذا جد مهم، لكن هل بالإمكان تحقيق هذا الرهان في سياق محكوم بتصور وحيد للاحتراف ولكيفية إنجازه وفهمه، هو تصور المؤسسة المركزية؟نجزم بالإجابة إن الأمر غير ممكن وما يؤكد ذلك هو استمرار ثقافة الإعلان في فرض ذاتها بنفس قداساتها المألوفة ،حيث يستحضر المسرح في ما تسميه اليوم الوطني للمسرح بطقوس مكرورة ، وخطابات منفرة تقفز على حقيقة جوهرية يجب أن يتعرف بها يوم المسرح الوطني هي أن يندرج المسرح في نقض القداسات لا تثبيتها ،وأن ينقض التعمية في الفن و المجتمع ، وأن يكف عن التسول على أبواب الرسميين، وعن خدمة انتظاراتهم السياسية و الإديولوجية.المسرح الذي يستحق أن يحتفى به في يومه الوطني هو الذي يبني معناه هو الذي يفجر السائد و يعطل إعادة إنتاج تسييده.إنه المسرح المسرح الدائم و الحي بتعبير سعد الله ونوس ،والذي يحفز فينا ما سماه أوغسطو بوال “ملكة التفكير و التأمل”.في ثقافة القداسات لا مجال لهذا المسرح لهذا سيخسر مسرحنا جوهره أكثر و سيتضبب أفقه وسيكره من لا زال يكافح أن  أن ينسى كفاحية المسرح ،أو يكره على الانسحاب تأكيدا لهزيمة الأحلام الكبرى و ضمنها بناء مسرح وطني مكافح.