التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

إبداعية الأعماق في الاغنية الغيوانية

أضيف بتاريخ ٠٥/١٢/٢٠١٧
حميد اتباتو


• 1 فاعلية الوعي التأسيسي 
 تقترح قراءات عديدة بصدد ظهور مجموعة ناس الغيوان منها راي يرى ان التاسيس لم يحكمه أي وعي بالافاق واية رؤية واضحة لماهية التجربة و لما هية الابداع الذي تريده.قد يكون الامر صحيحا بالنسبة لبعض الاعضاء الا ان الامر لا يمكن ان يكون كذلك بالنسبة للجميع. فو حده الفكر التبسيطي الذي يمكنه اعتبار تجربة الغيوان نتاجا للصدفة، وذلك لأن أشياء عديدة تؤكد ذلك منها أساسا تبلور فكرة الفرقة من داخل تجربة فنية أخرى لا يمكن القفز عليها في حديثنا عن الممارسة الإبداعية الفاعلة في المجال المغربي، وهي تجربة الطيب الصديقي التي تم توجيهها من طرف أصحابها بشكل واع يخدم غايات مختلفة عما كان سائدا. فأن يختار الصديقي ومعه عبد الصمد الكنفاوي والبقية الانفصال عن التجربة المسرحية الرسمية ويرتبطون بالمسرح العمالي أولا، وأن تستثمر دروس وتداريب المؤطرين الفرنسيين خاصة أندري فوازان لبناء ملامح مسرح شعبي مرتبط بالعمق الثقافي للمغرب على مستوى الفضاء والملابس وشكل المكان المسرحي وباقي مكونات الفرجة المسرحية فذلك يبين أن كل ما تولد عن هذه الممارسة لم يكن من عدم، بل كان نتاجا لهذا الوعي التأصيلي الفاعل الذي تبلور انطلاقا من هذا النوع من الممارسة المسرحية وهذا ما ينطبق على أغنية الغيوان التي حاولت الانطلاق من الأسس التي حكمت بناء الفرجة والممارسة الفنيتين التي ارتبط بها أعضاء الغيوان قبل الانتقال إلى العمل داخل المجموعة خاصة بوجميع والعربي باطما. وحتى لو افترضنا غياب رؤية واضحة متحكمة في إنتاج فكرة التأسيس للمجموعة وبناء أفق فاعل لها فإن أثر الوعي التأصيلي الذي حكم تجربة الصديقي  والذي كانت وراءه أسماء أخرى بارزة مثل عبد الصمد الكنفاوي، والطاهر واعزيز وغيرهما هاجر بالضرورة إلى التجربة الجديدة وتحكم فيها ولو بشكل غير واضح.بل يمكن القول ان حسم بوجميع و باطما في الانفصال عن تجربة الصديقي وتاسيس مشروع فني غنائي كان بدافع قراءة فاعلة للتجربة السابقة ، و تاسيس واضح للمشروع الجديد بدعم من محتضني التجربة و المنتصرين لها. 
ما يدعم هذا أيضا هو أن فكرة تأسيس مجموعة غنائية كانت صيغة أنتجها وعي اختلال أهداف التجربة المسرحية التي ارتبط بها رواد المجموعة وانفتاح بعض الأعضاء على الأفكار الجذرية خاصة بعد الجولة في فرنسا، لأنه كما تقول مجموعة من تصريحات هؤلاء ففكرة الغيوان برزت بعد الإحساس ببعض الحيف داخل التجربة السابقة والتعرف على بعض الأسماء ذات العلاقة بالفكر اليساري العالمي أو العربي. 

ما يؤكد ان بعض افراد ناس الغيوان كانوا يدركون أنهم بصدد تاسيس تجربة إبداعية جديدة أيضا هو رد بوجميع على مصور التليفزيون الذي لم يرقه أداء المجموعة لموال إحدى الأغاني أثناء تسجيل اولى صور الغيوان للقناة، وطلب منهم تنظيم الأداء «تكادوراه هادشي فوص نوت»، بالقول «هاد شي جديد عليك»، أي  أن المجموعة كانت عارفة بما هي بصدد اقتراحه خاصة بوجميع، وهو الأمر الذي تؤكده دلالات وقيمة الأغاني التي غنتها المجموعة رفقة هذا الأخير، ففيها تتكرس الإشارة إلى حتمية التغيير كحقيقة لا ترتفع «دوام الحال من المحال»، وروح الفداء والتضحية كأسس للخلاص كما في أغنية غير خدوني: 

غير خدوني لله غير خدوني  
روحي نهيب لفداكم غير خدوني  
دم المغدور ما نسلم فيه  
حق المظلوم أنا ما ندوزه». 

كان من الطبيعي أن تتأسس البداية على وعي فاعل لأان السياق الاجتماعي و التاريخي كان يفرض الجدة و المغايرة الفاعلة في كل الحقول وهكذا لم تكن الاغنية الغيوانية جديدة فقط بل مستجيبة لقلق التغيير الذي استدعته اللحظة التاريخية.

2 التاصيل كضرورة للامتداد 
ساعدت صيغة التأسيس والوعي المؤطر لها على توجيه المشروع الغيواني في الامتداد لخدمة االغايات التأصيلية التي حركتها حرقة الثقافة الوطنية داخل مجالات وحقول وأجناس إبداعية عديدة في سبعينيات القرن الماضي. فبعد أن تم استنبات هذا الشكل الغنائي الجديد في واقع الممارسة الثقافية المغربية أصبح تأصيله هاجسا لأصحابه ولكل الفاعلين الذين ارتبطوا بالتجربة لهذا كان التدقيق في اختيار الاسم خطوة مهمة تعلن عن خصوصية التجربة، وهكذا تم تجاوز «الدراويش الجدد» كاسم يحيل ضمنيا على تسميات برانية ذات علاقة بالمجموعات الغنائية الغربية الرائدة  واقترح اسم له ارتباط بالانتماء، وبأعماق الوجود المغربي والإنساني أي «ناس الغيوان». لهذه الغاية لم يتم إصدار أغنية «قطتي صغيرة»، حيث تم اعتبارها علامة فاصلة بين معنى الممارسة الفنية العفوية والبسيطة وبين المعنى الأصيل الذي برز مع بقية الأغاني التي شكلت إنجازا ثوريا يخلخل السائد الإبداعي في المجال الغنائي، ويقلق الاستقبال الفني الذي نومته طويلا نماذج الأغنية التي كانت سائدة في تلك المرحلة. وما اقترح كأوجه مؤصلة للتجربة الغيوانية هو الثوابت التالية:
أ ترسيخ الاحتجاج 
شكل الاحتجاج أحد أبرز أوجه هوية الأغنية الغيوانية. إنه الملمح الذي ميز أغنية ناس الغيوان طيلة مسارها بل انه الوجه الذي تبنته الكثير من المجموعات التي ظهرت لاحقا من مثل جيل جيلالة والمشاهب و ازنزارن و السهام… وقد تم استنباته في المرحلة التأصيلية لهذه الأغنية وكان ذلك منذ مرحلة بوجميع، بل إن الوعي التأصيلي كان حاضرا في الفكرة التأسيسية نفسها، وهكذا تبنت أغنية الغيوان موقفا من الظلم وقهر الناس  وقتلهم وهذا ما تؤكده إشارات في أغاني عديدة منها غير خودوني التي منها: 

– «هاديك أرضي وبلادي 

وباش من حق تبعادي» و في اغنية “ما هموني” نجد:  
– «ما هموني غير الرجال إلى ضاعو  
لحيوط إلى رابو كلها يبني دار» 

 “ما هولوني غير الصبيان مرضو وجاعو  
والغرس إلى سقط نوضو نغرسو اشجار”  
– «جور الحكام زادنا تعب وقسوة  
لا راحة ولعباد في نكد وتعسيف» في سبحان الله. 

هذا الطابع الاحتجاجي برز  في الكثير من أغاني المجموعة منها «فين غادي بيا» و«تاغنجا» و«مهمومة» و«زاد الهم» و«السيف البتار» و”لبطانة” إلخ، وعلى الرغم من أن الاحتجاج يأخذ في الكثير من الأحيان طابع الشكوى إلا أن الإشارات التحريضية لتغيير الواقع كثيرا ما تبرز أيضا لتمنح للشكوى طابعا إيجابيا وتنقلها من التباكي إلى التحميس على التغيير.و من أمثلة ذلك أغنية “ما هموني”: 

– «كولوا ل هداك كولو له  
كولو للاخر كولو له  
كولو له إلى ما فهم  
دابا اليام توري له». 

إنه ما تعبر عنه أغنية”أنادي أنا”:”- كلت للخيي خيي اضرب الحية  
كلت للخيي خيي راس الحية”  
-هذا ما تترجمه أيضا أغنية”زاد الهم”: بـ حكمة لميازن نكافح ..  
ما كفات فيكم كلمة  
ولا غمزة من عين الحال ”  
نجد ذلك أيضا في “يا صاح” بصيغة “- ماشي بصياح الغراب كا تجي الشتا  
والله وما قفلنا لا فورنا 

لقد ترسخ الاحتجاج كوجه أصيل في الأغنية الغيوانية و ترجمته الأغاني اللاحقة للمجموعة بكثافة ومن ذلك “مكواني”و ” المعنى” و” الصدمة” ،و”لماذا يا كرامة”… ولم يرتبط الاحتجاج في الاغنية الغيوانية بما هو محلي بل استحضر محنة الانسان عامة مع الحروب و الظلم و التقتيل ، وفي هذا حضرت فلسطين و مآسيها كما في”سبحان الله” و “ما هموني” و” الشمس الطالعة ” و “القسم” و “صبرا وشاتيلا ” و ” الانتفاضة” …كما حضر ت مضامين “السلام ” و المحبة ” و ” الايخاء ” كما في  ” الصينية ” و ” يوم ملقاك” و ” يا بني إنسان ” و ” احنا أولاد العالم”… إلا أن الذي ساهم في تأصيلها أكثر هو الارتكاز على التراث الشعبي الذي شكل وجها اخر ميز هذه الأغنية وانتبهت اليه مجموعات عديدة  بل هناك منها من اعتمده بشكل مركزي خاصة تكادة.

ب التراث الشعبي ومخاطبة المشترك 
لقد ساهم الاحتجاج في تمييز الأغنية الغيوانية، وعلى الرغم من أن وجهه البارز قد تجلى في الكلمات إلا أن أوجهه المهمة الأخرى قد برزت من خلال أبعاد أخرى منها طريقة اللباس، وتفجير فكرة النجومية والتماثل مع كل الناس البسطاء من خلال الملابس والكلام إلا أن الذي يعمقه أكثر هو رفض السائد في الإبداع عبر اقتراح شكل فني جديد في خطابه وعميق في إبداعيته ليس لأنه يبني خطابه على مرجعيات جديدة، بل لأنه يعتمد طرقا جديدة في الاشتغال على المألوف و المشترك و كل المادة التراثية الشعرية والإيقاعية وغيرهما. 

إن أهم إبدال اقترحته التجربة الغيوانية هو إعادة ربط الممارسة الغنائية بالثقافة الخاصة وهو ما تجلى من خلال مكونات عديدة كالمعجم أولا الذي حين الكثير من الكلمات المغربية وساهم في إعطائها حياة وقيمة. 

فعبر ناس الغيوان أدركنا القدرة التعبيرية الباذخة للغة الخاصة التي كانت الكثير من الأصوات العالمة ترى أنها ليست لغة للإبداع بل للتواصل السوقي من طرف العامة، كما أدركنا كثافة المعنى التي يستدعيها التوظيف الفاعل للقاموس الخاص ولسحر اللغة الخاصة وحميميتها كما في النماذج التالية التي تحفل بها أغنية الغيوان: «الصينية – الجود –علام –الولف- لحجي- الغول – فكاريش – الحال –مكواني – الغيوان – المحراث – ركوب الخيل – اللامة – الكلب – الحومة – الدوار – الرجلة – الكندرة – المهماز – الخيمة» إلخ. هذا النهل من القاموس المشترك الدال سيتوازى مع النهل من المشترك الإبداعي خاصة الإبداع الشعري، وهكذا شكلت إنتاجات المجاذيب والبوهالى والشعراء المجهولين وكلام الشيوخ  مرجعية استلهمها الغيوان لتأصيل كلامهم.غنه ما يقال عن استثمار الامثال الشعبية و الحكم ، ونفس الشيء حصل مع الآلات، حيث تم الارتباط بعناصر محددة لها أصالتها وقيمتها الثقافية والرمزية والإيقاعية، خاصة السنتير والبانجو والطام طام والدف والدعدوع الذي توقف حضوره برحيل صاحبه بوجميع. 

الشيء الآخر الذي ارتكزت عليه تجربة الغيوان لتأصيل ملامحها هو الموسيقى التي نهلت من الإيقاعات المحلية، خاصة بعض التعبيرات ذات الحمولة الصوفية مثل الحمدوشي والكناوي أو النغمات ذات الارتباط بأنماط خاصة من الرقص والغناء مثل الملحون والآلة وأقلال إلخ. الأهم في هذا الجانب هو أنه استطاع أن يطبع الإبداعية الغيوانية وأن يعطيها بعدا شعبيا وأن يحقق لها التواصل الفاعل مع قاعدة جد عريضة. 

وإضافة إلى هذا خدمت موسيقى الغيوان المعاني التي انشغلت بها أشعار المجموعة ورسخت أكثر تعبيرية الأعماق كميزة لهذه الأغنية وبذلك فتحت افقا آخر ليس للاغنية المغربية فقط بل للاغنية المغاربية العربية منها و الامازيغية. 

تجربة ناس الغيوان لن تطبع الاغنية المغربية فحسب بل ستطبع حقولا إبداعية أخرى منها المسرح الذي تأسست في رحابه منذ البداية ، و السينما حيث شكلت التجربة الغيوانية أو أغانيها أو موسيقاها أو روادها مادة رئيسية أو جزئية لمجموعة من الافلام من مثل ” الحال ” و ” اليام أليام ” و ” تاغنجا ” و ” الناعورة الخ وهو ما يقال عن الكتابة و البحث حيث أنجزت مجموعة من الدراسات و الابحاث و الانتاجات الأدبية انطلاقا من التجربة من بينها ما كتبه العربي باطما نفسه في سيرته سواء “الرحيل ” او ” الألم”. 

ما ركزنا عليه هو ناس الغيوان في صيغتها الاصلية مع روادها المؤسسين ،لكن رحيل بوجميع و العربي بلطما لاحقا ثم توقف باكو أو ايقافه  ومرضه فتح المجال لطاقات جديدة راكمت رفقة علال يعلى و عمر السيد ريبرتوارا إضافيا يختلف النظر إليه بين المهتمين بالتجربة إلا أن الوقوف عنده بعيدا عن الحنين لماضي المجموعة يمكنه أن يخلص إلى موقف أكثر موضوعية وهو ما سنعود إليه مستقبلا