التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

لذكرى الخمار لخبوش وأمثاله من المغلوبين

أضيف بتاريخ ٠٥/١٢/٢٠١٧
حميد اتباتو


أن تكتب عن النجوم والأسماء المعروفة، وعن من ينتسب للحقول الثقافية والرمزية أمريبدو مقبولا من طرف الناس جميعا، لكن أن تكتب عن المغلوبين في الحياة والوجود، وعن البؤساء الذين  يعتبرهم الكثيرون من دون أية قيمة فمسألة مختلفة خاصة حين يكون هؤلاء من الحمقى والتائهين الذين اختارتهم الأقدار ليؤثثوا وجود العاقلين، و ليستدل بحالتهم على حافة الوجود التي يجب على العقلاء الهروب منها. هذا النوع من الكتابة يسعى إلى إكراه الفكر على أن يعيد تعيين ذاته، و أن يكون المدخل لذلك هو تفجير القداسات المألوفة للكتابة نفسها ومنها الانشغال فقط بما تقر له ثقافة الواجهة والنموذج بالقيمة والأهمية. هكذا يكون معنى الكتابة التي تعنينا في الارتباط بما يبدو للغالبية من دون أي معنى، وهذا بالضبط ما يهمنا قوله في مقالة اليوم التي نركز فيها على اسم لمواطن معدم و مغلوب ومعتوه لم يبن نجومية ما في الحياة أو الإبداع، ولم يشغل أحدا غير القلة التي جاورته، و وفرت من خبزها ما يقلص من جوعه. 

 

لا أحد اهتم بجنونه أو مرضه أو تيهه أو تشرد أسرته الصغيرة التي ورث لبعض أفرادها الحمق واختيار الموت أو الضياع المأساوي. لا أحد فعل شيئا لإخراجه من الجحر الذي عاش فيه لسنوات طوال قبل أن يرحل أياما قليلة بعد عيد الأضحى، حتى لهيب النار التي اندلعت في ملابسه البالية وحطب التدفئة الذي كان يجمعه لبرد الليالي لم يبعده عن هذا المكان. 

إنه الخمار لخبوش ابن العمومة، وسليل بلدة الولادة والجغرافيا المنسية التي اختارت أقدار الوجود أن ترمينا والخمار فيها 

كما اختارت لاعدالة الوطن و علاقاته أن توحدنا فيها مع هموم “العموم الخمار” و كل أمثاله، حيث صار حمقه المعلن يحيل على حمقنا الدفين، وصار جوعه و مرضه و برده وموته وحيدا مأساة تشعل في أعماقنا كل جراحات الكون، ليس لأننا لم نستطع أن نكون مجديين له لتجاوز محنته والاقتصار في مساندته على صدقات عابرة منحناها له في اللحظات القليلة التي تصادفنا معه في تيه ما من تيهانه أو تيهنا، بل لأنه ليس بإمكاننا فعل ما هو مفيد إلا الحسرة و الحزن الصامت ليس عليه فقط، بل على كل المغلوبين والمعدمين الذين يعيشون  المحن والحرمان والآلام لأن لا أحد هناك للتفكير فيهم، ومساندتهم، والتقليص من معاناتهم. 

ينسى الجميع أن الأحمق والمعدم والجائع، والمرمي وحيدا لبرد الأيام والليالي لينهشه ليس عارا على نفسه وأسرته المغلوبة بل عار على الوطن ولا عدالته. إنه عار على واجهة السياسة الاجتماعية التي تعمق يتم الأيتام والبؤساء، ولا تدخل في حساباتها أن فئات كثيرة ومواطنين هم مثلنا في كل شيئ يحكم عليهم بالموت مرتين : الأولى حين لا تحتضن أية جهة ضعفهم، ولا تتبنى أية مؤسسة حمايتهم من الجوع والبرد والألم، وعنف الحمق، ومحنة التيه في الوجود قبل الموت، و الثانية حين يرحلو ن في عزلة تامة على حافة المجتمع وداخل المغارات والخرب والهوامش السحيقة التي كانوا يأوون إليها في الحياة. 

الخمار الخبوش أحد هؤلاء الذين نخشى من أن ينتسبوا إلينا، أو يتسمروا أمام طاولات المقاهي والمطاعم التي نرتادها طلبا لما تبقى من طعامنا ،أو يتجرأوا على الوقوف لبعض الوقت غير بعيدين عنا في انتظار أن نرمي أعقاب سجائرنا ليحرقوا بها شفاههم إمعانا في الانتقام من ذات جاءت إلى وجود مغربي لا علاقة له بالعدالة الاجتماعية.أمثال الخمار أو ” العموم ” كما كنا ننادي بعضنا تغيبهم الجهات الرسمية خلف واجهة المدن خوفا من الإدانة لأن عبور واحد من هذا الوحيش يكفي لإدانة سياسة دولة بكاملها. أمثال الخمار ليسوا الفئة الوحيدة التي اختارتها الأقدار الاجتماعية والسياسية لتنوب عنا في تأكيد عنف الوجود وتصحر واقعنا الإنساني، بل إنهم فئة ضمن فئات عديدة أفرزها بؤس الواقع العام لتكون على هامش الحياة  في انتظار أن يلتحق بها عدد آخر من وحيش المغلوبين لأن لا جهة تفعل ما يمكنه أن يوقف هذا الإكراه الممنهج لمن لا سند له على الحمق والجنون. 

في كل الجغرافيا المنسية نلاقي الحمقى والمشردين..نمضي غير عابئين بهم لظننا الخاطئ أننا أسوياء و أفضل درجة منهم إلا أن هذا غير صحيح لأن تجاهل أبأس البؤساء يؤكد بؤسنا، و يديننا بشكل عميق لأن هذا يعني اننا نقبل بالتواطؤ مع المهيمن في إبعاد مواطنين من الحق في دفء الوطن وحمايته وهذا هو الجنون في أقصى درجاته، بل إنه عار لا بد من التشهير به. لهذا نكتب اليوم و نكتب كذلك لذكرى الخمار الخبوش ولكل أمثاله من المغلوبين ن و ليرحمه الله بعد أن لم يرحمه أحد باستثناء قلة من الناس استححضروه في جزء من كل عمر الجنون الذي عاشه وحيدا بعد أن تشردت أسرته الصغيرة بمنطقة جبلية هي باب واندار و تاونات حيث ودع الحياة ليدين بذلك قفار الصحراء الإنسانية هناك وهنا وفي كل الوجود المغربي.