التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

الهامش وانتساب الكتابة

أضيف بتاريخ ٠٥/١٢/٢٠١٧
حميد اتباتو


تتعرف الكتابة بتحديدات تختلف باختلاف الموقع الذي يتأسس من داخله التعريف فتكون شكلا جماليا لذاته، و صيغة للتعالي على الواقع والسكن في الخيال والعوالم الرمزية، و قداسا للتطهر الذاتي والانقطاع عن الجماعة، و إنتاجا وعظيا مرتكنا إلى الأوهام الذاتية التي ترفع الخطاب وصاحبه عن الواقع فلا ينصتان إلا ليقينيات التبشير التي تصدم بصلابة الواقع و بمجموعة من الحقائق التي يقفز عليها، خاصة حقيقية تحقق الكتابة كإنتاج لا يدرك و لا يحدد إلا في ارتباط بالشروط الاجتماعية العامة التي لها كل السلطة في توجيه الكتابة وتعريفها وتوجيه استهلاكها في هذه المرحلة أو تلك. ثم تكون الكتابة من الموقع الأخر ممارسة منصهرة في السيرورة الاجتماعية، ومدركة لحقيقة الفرز الذي تنتجه علاقات الإنتاج السائدة والمفضي إلى إدامة هزيمة المغلوبين وتعميق هامشيتهم، و ما نريد للكتابة أن تتعرف به إضافة إلى هذا هو تأكيد الانتساب الفاعل للهامش، ليس لأن من يكتب ألزمته أقدار ما بالانجذاب العاطفي للهامش والمهمش بل لأن القناعة الموضوعية المؤسسة للكتابة بمعناها الايجابي تفرض هذا الانتساب. وحين تنتسب الكتابة بهذه الصيغة تلزم نفسها طواعية بمواجهة ما يسميه  الناقد الفلسطيني فيصل الدراج  “عنف الأجهزة التأديبية ” للمركز والمساهمة في تقليص اغتراب الكتابة نفسها وكل المستقبل والأهم هو مواجهة الطواحين  المنتجة لليأس والانهيار والانجرار للهزيمة وخدمة الذهنية والرؤى والاحتياجات المركزية. 
  
لقد أوجدت مركزية القرار السياسي والثقافي والاجتماعي مغربا آخر يأكله النسيان والجوع والتهميش والقحط الثقافي وخراب المعنى والجهل، إنه كل المجال المنسي كالأحياء السفلى، و القرى المرمية خلف الجبال، و المساكن الطينية والنواول المزروعة في مهب العواصف وبجانب المجاري المائية في انتظار احتفاء الطبيعة بمسحها كما يحصل كل أيام الشتاء في مناطق عديدة من المغرب العميق ولا من يتحرك ليحمي الحياة والكرامة والمعنى لدى الذين غلبتهم الطبيعة والمخزن والمركز والحياة والفقر وكل ما تبقى، لقد راكم الكبار دوما في مغربنا البديع مبادرات ومواقف تترجم قناعة الالتحام بقضايا المغلوبين عبر الكتابة الفاعلة وأدوا بسبب ذلك الثمن باهضا حيث عاشوا عنف السلخ ومرارة المحنة ربما انهزم بعضهم إلا أن الأساسي أنهم جسدوا بالتحامهم الأسطوري بقضايا الهامش درسا رفيعا في المقاومة والكفاح، و لأن المستقبل اغترب في الواقع و تغممت ملامحه صار الانهيار واقعة لا ترتفع في الوجود العام انهزمت الكتابة انهزام الواقع والمستقبل وانهزمت السياسة المفكرة فيهما. 

 

في الشهور الأخيرة أحيت حركية التحرر المدني مجاري لإعادة توطين الأمل في الحركية الاجتماعية ورهاناتها المغدورة لتعطي بذلك  فرصة هائلة لتعميق التوطين الاجتماعي للكتابة والصيغة المثلى لذلك  هي تحيين معنى الكتابة بربطها عميقا بالهوامش و بصمها بهويته .الانصات لمحن وأنين هذا الموقع ولعمق فعل حراك 20 فبراير اليوم  يحمس الكتابة على تمزيق جلدها الأملس، ويوفر كل القوة الدافعة من أجل أن تكون الكتابة بكل معانيها البهية التي منها الانصهار داخل معترك الواقع والتحرك داخله و الاغتراف منه، و الحلم من داخله بالانتصار وحتى إن كانت الهزيمة قدرا يكون بإمكان الكتابة أن تقول من موقع الهامش لقد صمدنا ضدكم يا حراس اليأس و مآتم المعنى.