التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

عبد الرزاق فخر غازي

أضيف بتاريخ ٠١/١٢/٢٠١٧
حميد اتباتو


في 12 فبراير غرب غازي فخر بعد أن ألزمه المرض  بالانزواء لمدة وحيدا في بيته مع أسرته الصغيرة، وحضور دافئ لقلة من الأصدقاء الذين حافظوا على اتصالاتهم به و منهم الناقد أحمد سيجلماسي والمخرج سعد الشرايبي .حافظ السي عبد الرزاق على صلابته و مقاومته إلى آخر المطاف لكن كان الموت الأقوى و جرفه في يوم ماطر كما لو أن السماء كانت تبكي لانهيار مكافح بحجم امتدادها اللانهائي. 

يوم مغادرته إلى مسكنه الأبدي بمقبرة بوزنيقة كنا قلة من المرتبطين بالسينما و الثقافة إلى جوار الكثير من أبناء عائلته و أبناء بوزنيقة الكبار بإنسانيتهم و محبتهم للناس لوجه الله و الإنسان، تقديرا منهم لعنف قدر الموت و جراحه …كان سعد الشرايبي الوحيد من المخرجين كالعادة في مثل هذه اللحظات الحزينة، و كان أحمد بوغابة و آيت عمر المختار و مصطفى العلواني باسم الأوفياء، وكان أحمد عفاش و طارق حلمي عن المركز السينمائي المغربي، و كان عمر شقور باسم نادي القبس للسينما و الثقافة بالراشيدية، و كنت أنا و أحمد عموري وأحمد سيجلماسي باسم أصدقائه و باسم أعضاء  نادي الركاب للسينما و الثقافة  بفاس..وكان عبد الحق مبشور باسم المكتب الحالي لجواسم. 

كان هذا الحضور دالا بمعنيين : الأول أنه يعترف للغازي بقيمة إسهامه وبهاء ما قدمه  من أجلنا جميعا، و الثاتي هو الإدانة لواقع ثقافي و جمعوي و سينمائي بئيس من حيث إنسانيته، و اعترافه، و تكريسه لقيم النكران و عدم التقدير لمن يستحق ذلك فعلا، في الحياة و الموت . 

عدم الحضور لعيادة غازي في محنة مرضه، ولتوديعه بعد موته بما يليق بعطائه البهي دليل على أن ما يتعمم في و جودنا الثقافي والسينمائي هو عدم الوفاء، ليس لأن هذا الحضوركان سيعوض للراحل أو لعائلته شيئا مما افتقدوه، بل لأنه حين يتحقق يزكي قناعة النضال و التضحية و صدق العطاء في الممارسة الثقافية و الفنية لدى من تبقى في الميدان. 

لقد كان معيبا أن يحضر مكتب جواسم الحالي في آخر لحظة بممثل وحيد، كما كان معيبا أن لا يحضر لاميكروفون ولا كاميرا و لاقلم لنقل بعض من أحزان الرحيل و ذكريات الراحل لمستمع أو مشاهد أو قارئ …ليس لأن الغازي أو عائلته أو من حضر هناك يعنيه هذا الأمر، بل لأن في حضورهم التفاتة لكل من ليسوا هناك بل منهم من ليس في كل الوجود بعد أن غرب قبل غازي، و التفاتة لكل تلك الأصوات التي تملأ بها الكثيرمن المساحات البيضاء في الإذاعة و التلفزة و الجريدة …فالذي يرحل من الفاعلين الثقافيين يفتح جرحا إضافيا و يوسع حجم اغتراب الثقافة و أهلها، و أيضا لأن هذه الكامرات و الميكروفونات و الكنانيش تحضر كلما تعلق الأمر بأسماء الواجهة التي يراد التزلف لها حية و ميتة. 

عبد الرزاق فخر غازي لم يهتم بكل هذا، و لم يعمل من أجله، لكن لا ننكر أنه عاش جرح و ألم التنكر له من بعض الذين صنع رفقتهم الماضي المجيد للأندية السينمائية الذين تبرموا منه، و لم يفكروا في الاطمئنان على أحواله حين احتاج، ككل الناس في لحظات الضعف و المرض، إلى مساندة رمزية و معنوية و إنسانية. 

ضد منطق هؤلاء و إجلالا لغازي نكتب اليوم لنقول إن عبد الرزاق فخر هو أحد صناع مجد الأندية السينمائية طيلة وجودها …و هو أحد أركان المدرسة التي ربتنا و أوينا إليها لنتعلم من دروسها الباذخة ما نروي به عطشنا في المعرفة و الفرجة الخلاقة و المسؤولية و الإنصات الجليل، و البحث عن المعنى في ما قد يبدو للجميع من دون أية قيمة، و النضال، و التطوع، و العقلانية و الربط الجدلي بين أبسط مساهمة في الثقافة و أنبل واجب اجتماعي ووطني و سواسي إلخ  . لقد كان غازي مثقفا كبيرا من موقعه و تخصصه و هو التوزيع و العمل الميداني و توفير الأفلام للأندية الموزعة في كل خريطة الوطن، كما كان فاعلا بكامل الحيوية و القدرة على المبادرة و الاقتراح و المتابعة اليومية لما يرتبط بتدبير الجوانب الإدارية و المالية لنادي الركاب للسينما و الثقافة بفاس الذي دعمه بقبول تحمل مسؤولية أمين المال في مكتبه لسنوات إلى أن وافاه أجله، و يكفينا شرف الاشتغال مع الراحل كأعضاء كنا في هذا النادي و لازلنا لنداوي بعضا من جراح رحيله. 

منحنا غازي في ممارسته الأولى صورة عن معنى النضال الثقافي الفاعل، و صدق الارتباط بمشروع الأندية السينمائية الأصيل، وأعطانا، في ممارستنا إلى جانبه داخل نادي الركاب، فكرة أصيلة تترجم قناعة الكبار تقول : مناضل الثقافة لا يتقاعد و لا تهزمه الظروف ..لكن ما يسرع هزيمته و انكساره هو نكران ذوي القربى و رفاق الأمس و اليوم، و عدم اعترافهم. 

فخر غازي يرتاح الآن من نفاق الأحياء بل يفضحه ..لكن و لأنه صادق في قناعاته لن ينسى كل الذين استحضروه بصيغة تكريمه الصادق أو التفاتة غير مجاملة كما حصل في مهرجان سينما الشعوب بإيموزار، و مهرجان سينما القرية بزرهون، و مهرجان فلم الهواة بسطات و في محطات قليلة أخرى، و لن ينسى كذلك أن الإطار الذي أعطاه جزءا من عمره لم يوفر ما يكفي من السخاء الإنساني، و كرم الاعتراف لكل الذين شكلوا حطبا لعمل الأندية السينمائية وهو واحد منهم، لهذا سيكون قد تألم مرتين في موته : مرة  لأنه حمل معه كل جراح الغبن بسبب تنكربعض رفاق الأمس له، و مرة لأن اللاحقين كما يتمثلون في المكتب الحالي لم يعوضوه عن غبن الأمس بوداع يليق بما قدمه، لكن الأساسي بالنسبة له و لنا أن القلة من الذين اتصلوا به في مرضه، أو جاؤوا لتوديعه بعد موته كانوا هناك لشكره و للتأكيد له أننا لن ننسى، و أن فخر غازي عبد الرزاق كان و سيبقى رمز النضال الثقافي  النبيل هذا الوقود الحقيقي لمشروع الأندية السينمائية الأصيل، و للفعل الجمعوي الصادق.