التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

النظرية السياسية بين الخلافة الإسلامية والدولة الحديثة

أضيف بتاريخ ٠٨/٢٤/٢٠١٧
محمد عبدالنور


الملك ضرورة لا يقوم الوجود البشري من دونها يستفرد به واحد من الجماعة تكون له الغلبة واليد القاهرة عليها، لذلك كانت الوظيفة الأولى للحكم تحقيق الأمن من خلال العدل، حيث الأولى طبيعية يقوم عليها الملك والثانية وظيفة أخلاقية يستمر بها.

والنموذج التأسيسي الأول في الإسلام نموذج بشري قام على البيعة استند في قيامه إلى المعطى الديني، حيث قام على أساس البيعة، بيعة مضاعفة أولى وثانية، وسعي النبي لبناء موقعه السياسي كان بهدف تحصيل جهد روحي - تربوي دام ما يزيد عن عقد من الزمن، وكذا لضرورة اقتضاها عاملان هما:
1- تعذر الإصلاح من داخل المؤسسة السائدة، أي بعد اليأس من استمالة كبراء المجتمع المكي.
2- وأن بناء دولته صلى الله عليه وسلم كان خطوة ضرورة في السير بمشروعه الروحي قدما إلى الأمام، ذلك ما اقتضته عالمية الرسالة الإسلامية.

قامت الدولة المحمدية على أساس كاريزما القائد الذي تميل غالب الأتباع إلى الانقياد إليه، وهي كاريزما تستند إلى رأسمال اجتماعي وأخلاقي اكتسبه النبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل طلبه البيعة من المؤمنين، بينما لم تحدد النصوص الموروثة تفاصيل كيفية تعيين الحاكم إذ تركته للاجتهاد المحض، في ذات الوقت كان تحديد الغاية من الحكم وقيام الدولة واضحة جداً تلخصت في مفهوم الاستخلاف الشامل للوجود البشري عامة، أي بالإرشاد إلى الغايات الإلهية الغيبية للحكم، حيث ذروة الإشارة القرآنية تكمن في ضرورة الحكم بما أنزل الله، ومن هنا كان تحقيق الأمن والعدل آلية للحكم وليس فلسفة له، بما يمكن تقريبه من مفهوم الحكامة الراشدة المعاصر.

وعلى ضوء المعطى المتقدم من خلال النموذج الأول في الإسلام فإن التجارب الموالية التي جاءت تحت غطاء خلافة الرسول في الحكم تقترب وتبتعد من تفاصيل حكمه حسب الحاكم كل مرة، أي أنها تتأرجح بين العدل والظلم وذلك إلى غاية آخر دولة كانت تحت نظام الخلافة.

أما نموذج الدولة الحديثة الذي استند إلى منطق الحكامة الراشدة في آلياته، فإنه قد قام في أساسه على "روحانية دنيوية" من خلال العلمنة بوصفها مبدأ خلاص يحمل كل سمات الدين، أو ما يمكن تسميته بالدين العقلي الفاعل بعد تعذر تفعيل المسيحية في الواقع الأوروبي.

ووجه الشبه بين النموذجين (الخلافة والدولة الوطنية) هو قيامهما في أعقاب ثورة روحية قادها أفراد أصحاب رساميل اجتماعية وأخلاقية تولوا مهمة القيام بالعمل على تقنين تلك الثورة ضمن أنظمة وقوانين تتناسب مع المعطى الاجتماعي لكل المجتمعات المندرجة ضمن مخطط الثورة الروحية، أو ما يمكن تسميته بالتدبير السياسي للأمة، بما يعني أن آليات الحكامة الراشدة ذاتها هي ذاتها مختلفة وليست واحدة وهي اجتهادية محضة.

ومن ثم لم يكن هناك مشترك بين نموذجي الخلافة والعلمنة إلا استنادهما إلى "نظرية العقد" المستندة إلى جوهر ديني بوصفها نقيضا لنظرية اللاعقد أو الفوضى اللادينية؛ أما خصوصية العقد السياسي الإسلامي فهو أنه عقد روحي ينطلق من مفهوم الميثاق القرآني المأخوذ من البشر وهم في ظهور آبائهم، ما يعني أن تأسيس الحكم ذاته قائم على الاستجابة للتشريع.

ومن ثم كان البحث في مسألة الحكم في الفكر الإسلامي مرتبطا بعاملي التطور التاريخي للمجتمعات وظروفها المحيطة والشريعة بوصفها اجتهادا مستمرا، فقد انتهى في جوهره إلى كلام عن مفهوم الوحدة الإسلامية وفقا لنموذج الكمنويلث استنادا إلى محاولات تأسيس الفلسفة السياسية الإسلامية بتمثل الفلسفة الأفلاطونية الجرمانية المحدثة.

حيث بلوغ التفكير الإسلامي مرحلة استكشاف النموذج الإسلامي القائم التعامل مع معطيات الطبيعة بنفس منطق التعامل مع معطيات الشريعة من حيث كونها قوانين على الإنسان التوافق معها في سبيل تحقيق النهوض الدنيوي القائم على الخلفية الأخروية.

وذلك كله يتطلب ثقة الفكر الإسلامي بما تتضمنه النصوص الشرعية من فلسفة متكاملة قادرة على تحقيق بديل يكفل حق الاختلاف الفكري للمسلمين الكامل في أعمق التصورات الفلسفية، وأنها نصوص تحمل مبدأ عدم التعيين الناقد لكل سرديات الفكر والواقع بحيث يمنح إمكان بناء دولة الحق دون الاستناد إلى أي نموذج سابق عليه.