التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

علماء الأزهر ودم البعوض

أضيف بتاريخ ٠٩/٢١/٢٠١٧
سمير ساسي


جاء في الأثر أن رجلا من أهل العراق سأل عبد الله بن عمر في الحج عن حكم قتل بعوضة في الحرم فقال بن عمر عجبت لكم أهل العراق تقتلون الحسين بن علي وتسألون عن حكم قتل الذبابة في الحرم. يحضرني هذا المثل. وقد انبرى علماء من الأزهر الشريف أو هكذا يقدمون أنفسهم يعلنون رفضهم مقترحا تقدم به رئيس الدولة التونسية الباجي قايد السبسي. في العيد الوطني التونسي للمرأة يقضي بمساواة المرأة بالرجل في الميراث.

وهاجم جماعة الأزهر الرئيس التونسي وقال أحمد الطيب شيخ الأزهر إن الأزهر لا يتأخر عن واجب إظهار حكم الله للمسلمين في شتى بقاع العالم الإسلامي وتبع الأزهر إعلاميون ومحامون مصريون اعتبروا الرئيس التونسي ساخرا من الإسلام وطالبوا النائب العام المصري بتتبعه وكان الأزهر سباقا في الحملة على التونسيين جميعا بما يظهر خوفا على الإسلام وعلى نصوص القرآن.

ووجب هنا أن ننبه إلى أننا لا ندافع عن مقترح الرئيس التونسي فلا يمكن الدفاع عنه إذ هو تجاوز واضح لنص ديني قطعي في سابقة من نوعها في تاريخ تونس لكن لم يكن منتظرا أن يستفز هذا التجاوز الذي أتاه الرئيس التونسي ولَم يتحول بعد إلى أمر واقع أن يستفز علماء الأزهر. ولماذا لا يستفزهم العبث بشريعة المسلمين كما قال بيان شيخ الجامع الأعظم أليسوا مسؤولين عن حماية شريعة الله في كل البلاد.

سؤال يطرحه من لا يرى مبررا لرفض تدخل الأزهر في مسألة تخص أحكام الإسلام حتى وإن كانت خارج مصر فالإسلام حسب هؤلاء ليس دين إقليميا أو محليا وإنما هو عالمي. لا شك أن في هذا الاعتراض بعض وجاهة تخص عالمية الإسلام وليس المجال مجال ردها أو مناقشتها لكن المجال هنا هو سؤال الواجب الذي تحدث عنه الأزهر وأثارته فيه مسألة في تونس تصدى لرفضها عدد من علماء الزيتونة وتونسيون كثر في مواقع التواصل الاجتماعي.

وسؤال الواجب الذي نثيره هنا يخص نظرة الأزهر إلى شرع الله في العالم فهل شرع الله مثلا لا ينتهك إذا جرؤ أحد خلقه على الانقلاب على إرادة خلق كثير من عباد الله مثلما فعل جنرال مصر عبد الفتاح السيسي في انقلاب الثلاثين من يونيو بمباركة من الأزهر والكنيسة معا في توافق غريب عن تقاليد الأزهر نفسه. لماذا صمت علماء الأزهر منذ انقلاب الجنرال ضد انتهاكات تمس أصل الدين ومقصده أتى بها الجنرال وجماعته. أقلهم مذبحة رابعة والنهضة.

دعوة المساواة في الميراث مرفوضة قطعا لاعتبارات غير التي انطلق منها الأزهريون الذين نسوا أن حرمة النفس البشرية في الإسلام أعظم من هدم الكعبة سبعين مرة وأن قتل نفس واحدة هي كقتل الناس جميعا فهل كان ذلك منسجما مع شرع الله الذي يدافع عنه الطيب وجماعته. أم نسي الجماعة الذين سكتوا عن قتل النساء صاحبات الشأن في موضوع الإرث وطال عليهم العهد وقد برروا للسيسي كل انتهاكاته القيمية والإنسانية وحتى الدينية بل إن بعضهم اعتبره أحد رسل الله إلى البشرية في القرن الواحد والعشرين في تصادم واضح مع قطعية أخرى من قطعيات الدين التي تقول إنه لا نبي بعد ختم الرسالة المحمدية.

لم نسمع للطيب ولا لجماعته ثورة ضد هذا الانتهاك الصريح لثوابت الدين لكنه استيقظ الآن بعدما ألقي في روعه أن الدين في تونس مهدد بالمساواة في الإرث فهل كان قلبه على الدين أم كان قلبه في جناحي طائر على حد قول الشاعر الخارجي المتهكم بالحجاج بن يوسف.  مثلما سبق أن ذكرنا ليس من شأن هذه التدوينة الدفاع عن مبادرة السبسي في تونس فذلك من محال الأمور لتعارضها مع نص قطعي لكن المجال هنا سؤال دور رجال الدين الذين يفترض أنهم حماة الإسلام ومقاصد ومبادئ وشرائع الإسلام في تونس ومصر وغيرها.

فلم يكن مفتي الديار التونسية عثمان بطيخ أقل جرما من شيخ الأزهر وقد برر ما جاء به رئيس دولته من بدع القول والمشاريع بل لعله يفوقهم جرما لسببين أنه تونسي وأنه سبق له أن رفض المشروع حين دعا إليه وزير في الحكومة فلما أعاد طرحه الرئيس صار الحرام حلالا والمستحيل ممكنا لأن سماحة المفتي لا يرد يد الرئيس.

هكذا شأن علماء الدين الذين باعوا دينهم بدنيا غيرهم ونسوا كل ما يقوله الإسلام في هذا الأمر وسكتوا حين كان يجب أن يصدعوا بالحق في وجه من بدل وغير قيم الدين والإنسانية فكان مثلهم كمثل الأعرابي من أهل العراق مع بن عمر خاف من صغيرة ونسي أنه يحمل وزر كبيرة من أكبر الكبائر شأنه في ذلك شان أحدهم وقد سأل شيخه كيف يتصرف بعد أن زنى وحملت منه من زنى بها فقال له الشيخ لمَ لمْ تعزل قال علمت أن العزل مكروه قال علمتَ أن العزل مكروه ولَم تعلم أن الزنا حرام.

دم البعوض إذن هو ما يهم رجال الأزهر في زمن البعوض والذباب المتكاثر على إرادة الشعوب العربية أما الدم السوري المنهمر من أثر براميل بشار الأسد فلا يهم الطيب ولا حسون مفتي سورية. دم البعوض عند جماعة الأزهر ينجس الثوب ويستوجب الكفارة وتقديم القرابين للتكفير عن دعس البعوض أمام دم أسماء البلتاجي ودماء معتصمي رابعة والنهضة وبورسعيد وكل الدماء التي سالت في ميادين قاهرة المعز فليست مما يستفز مشيخة الأزهر.

لكن ما خفي كان أعظم فليس موقف الأزهر مستهجنا لذاته فالدفاع عن الدين فرض عين على كل مسلم وقول الحق ليس حكرا على شيخ أو عالم بل كل من عرف الحق وملك الحجة ألزم به لكن ما خفي أن موقف الأزهر لم يكن نابعا من هذه القناعة بل جاء في إطار حملة تشنها قيادة الانقلاب في مصر على تونس بلد منشأ الربيع العربي تصفية لحساب يبدو أنه لن ينتهي بهذه الهبة الأزهرية المفاجئة.

فقد سبقت مؤسسات الإعلام السيساوي مؤسسة الأزهر إلى شن حملات منظمة ضد تونس ودون داع سياسي واضح أو مباشر غير تصفية الحساب الثوري وتحويل الاهتمام الشعبي المصري من مأزق النظام الداخلي إلى خارج مصر. وكعادته جاء الأزهر متأخرا مثلما جاء يوم الانقلاب بعد أن حسم السيسي أمره فأفضى على الانقلاب صبغة شرعية مثلما يحاول أن يشرعن ما تدعيه حملات الإعلام ضد تونس ولكن من نافذة الدين والإسلام.

يجرب نظام السيسي في مصر كل الطرق لتلهية الناس عن مآزقه فقد ركب موجة الإرهاب في ليبيا وشارك في حصار قطر وهاجم المقاومة في فلسطين ثم نقل المعركة إلى تونس، غير أن المؤلم في المشهد كله هذا الدور القذر الذي ارتضاه رجال الأزهر لأنفسهم. هل نعجب لأمر رجال الأزهر وحدهم وجل رجال الدين في عالمنا العربي يبيعون الفتاوى بثمن بخس لحكام يقتلون ويحاصرون ويسلبون الشعوب حقها ثم يخشون العزل ولا يخشون الزنا ويحدثونا عن حكم طول اللحية وتشمير الثوب ثم نسأل من أين جاءنا التطرف في فهم الدين.