التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

جبرية الإنسان المقهور

أضيف بتاريخ ٠٩/٢١/٢٠١٧
إسماعيل عمار


إنسان العالم المتخلف يولد مصادفة أو لرغبة مجتمعية بائسة؛ يقضي حياته ضحية لعادات وتقاليد وأهواء من حوله، مستلب الإرادة يخجل أن يعيش لذاته وبذاته، مهدور الكرامة منتقص الحقوق والحريات في ظل سيطرة استبدادية مقيدة لتطلعاته واحتياجاته؛ فيمارس بدوره الجالد لذاته الراغم لأفكاره وطموحاته على التكيف مع سلطوية المستبد القامع لثوريته مما يصور لذاته واقعا آخر يحاول أن يعيشه في رضوخ تام دون مسآلة أو تذمر، وما يخشاه من بلاء قد يصيبه يوكله إلى أدعيته التي يخيل إليه أنها السد أمام طوفان المرض والأوبئة ونائبات الدهر.
 
فالعلاقة بين المستبدِ والمستبَد تقوم دائما على الرجحان التام فيحتفظ المستبِد دائماً بكل الصفات الاستعلائية والسيادية بينما يتخلى المستبَد عن كامل حقوقه حتى يفقد إنسانيته ويقيد بقاءه بوجودية المستبِد الكافل للمعاشه والمدبر لشؤون الحياة والضامن لأمنه المهدَّد دائما بقوى خارجية يحدد طبيعتها ومدى جدية تهديدها دائما المتسلط المستبِد.

ضمن هذه الدينامية العلائقية بين المستبِد المتسلط المتجبر والمستبَد المستلب يفقد عمليا إنسان العالم المتخلف عامل التخيير والإرادة ويتجه إلى القيد والإجبار في ظل مجتمع رسم مسبقاً له كل مناحي الحياة وأوصد أمامه طرائق الحرية الاختيارية وبخل عليه حتى في بعض الشعاب الفرعية التي قد يلجأ إليها سرا ليمارس ما تبقى له من ذواكر إنسانيته.

التاريخ الاستبدادي يرتكز دائما على مبدأ الأخذ الكامل والعلوية المتآله مقابل الدونية للطرف الآخر هذا ما يثير قضايا كثيرة وتبريرات جلية للانحدار المطرد في العالم المتخلف نحو الانغماس في التخلف والفقر وانتشار الأوبئة والأمراض المزمنة وارتفاع مستويات الجهل والعجز والاتكالية إلى الماورائيات لتتكفل هي بحماية المجتمع من الكوارث الطبيعية والتناقضات والتصادمات التي ستقود الجميع حتميا إلى الهاوية.
 
فالاتكالية ليست خيار بل هي فرض واقع على إنسان العالم المتخلف وهذا ما يتولد عنه تناقضا كبيرا يخلخل منظومة دينية يستلهمها معظم أفراد العالم الإسلامي، المنظومة التي أسست لتخرج الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد الأحد، بتفكيك هذا الأساس نلحظ أن الإسلام جاء ليفك القيد المثقل للمستبَد ويعيد إليه آدميته المستلبة لينقله من الجبر إلى حرية الاختيار كي تكون العدالة مستحقة ومحققة في ميزان الثواب والعقاب المبنى على نتائج العمل وغير ذلك يخلق مؤثرات تفرض اختلال في تحقق هذه العدالة.
المؤثرات التي تمارس على انسان العالم المتخلف القابع في أنيار الاستبداد تطرح تساؤلات مهمة في كيفية تحقيق العدالة المقتضية حرية الخيار في سلوكية الفرد بينما يجد الإنسان المقهور ارتكاب الخطايا الأخلاقية البغيضة (الكذب، النفاق، التملق، الارتشاء، المحسوبية، الحسد، كره كل من لا ينتمي لجماعته) أسلوبا ومنهج حياة ليتكيف مع عدم إمكانية تحقيق المساواة بين ما يكسبه وبين ما ينفقه في ظل غياب الرعاية الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي، إذ جاهد الإسلام ليتمم بشكل لا يقبل النقيصة كاملية التسليم لله تعالى ويزيل جميع العوائق التي تحول دون هذا المبتغى. فالواقعية الاستبدادية تخلق تشاركية في تابعية الذات الإنسانية التي تستسلم دون مقاومة لضغوطات المستبِد المضمنة تهديد الهلاك إذا ما فكر الإنسان المقهور بالانفكاك أو التحرر.
 
تحقيق العدالة بأحقية لا تقبل التأويل، يجب ألا تشترط إطلاق المستبِد مثخنا بممارساته الإجرامية طالما أبقى على ممارسة الشعائر الدينية. فالظلم تحت قانونية هذا الاشتراط مقنن ومحمي بفتاوى دينية طالما استندت في مشروعيتها الاجتهادية على وحدة الأمة والتخوف من تمزقها ونشوب الحروب بين مكونتها ولكن بالنظر للتاريخ والواقع الذي نعايشه أسقطت هذه المشروعية وبات أكثر الناس قهرا عالم الدين، الذي اضطر دائماً إلى لي أعناق النصوص الدينية والاحتيال في التأويل لجعلها توافق أهواء المستبد وتوكل انحطاط الأمة وتبعيتها المطلقة للقوى الخارجية العابثة بمقدارتها، تارة للحكمة الإلهية وأخرى لانحراف الإنسان المقهور بجبرية المستبِد عن طريق الصواب الذي يبدو متناقض تماما مع التبعية التي فرضتها جغرافية الولادة عليه دون أن يكون له أي قبول أو رفض ودفع بقوة القيود المجتمعية المفروضة عليها لاعتناق توهمات الخوف والسكونية والرضا طالما آثر البقاء.

فالعلاقة بين المستبد والإنسان المقهور لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل هذا الاختلال وأي مبرر للاستبداد يعطي ديمومة متنامية للاستلاب والرضوخ والتحقير الذاتي واختزال أبعاد الابتكار والنجاح والارتكان إلى الكسل والنتيجة دائمة ثابتة للاستبداد لا يمكن تغييرها مالم تنتج ثورة مجتمعية تغيرا ديمقراطيا يعيد مساواة المعادلة بين الرئيس ومرؤسه أما الحلول الجزئية أو التبريرات الاستبدادية لن تعطي إلا أشكالا تتغير بالممارسة، إلا أنها تؤدي دائماً للازدياد في قهر الفرد والانتقاص من حقوقه وتجريده إنسانيته تجريدا تاما.

الضرورة القصوى اليوم تحتم مراجعات فكرية عميقة لرفضة الديمقراطية، الراكنون إلى الاستبداد تخوفا من تفكك الأمة الإسلامية وضياعها وكأن هناك ضياع أكبر مما نعايشه اليوم، ما يحدث اليوم في عالمنا الشرق أوسطي يجب إلا ينتج أفكارا أو قناعات تبرر الاستبداد والفساد وتحقر من ذات الإنسان المقهور وتعلق الفشل والتخبط في وعورة الطريق المخضب بالدماء والأوجاع إلى عدم استحقاقية الدهماء للممارسة الديمقراطية مما يرغم الإنسان المقهور أن يكرر لذاته مرة ثانية توهمات التبعية للمستبِد وعدم قدرته على العيش دون رعايته الكريمة ويضع العبودية سقفا لطموحاته.
 
إنما يجب أن يخلق إصرارا لا يضعف أمام العقبات الجسام التي تقف في طريقنا نحو موانئ الديمقراطية وتحقيق العدالة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية مما يعيد للإنسان المقهور إنسانيته المستلب في خزائن المستبد وأتاوته الذي يرسل بها إلى القوى الكبرى التي تحفظ له بقاؤه في سيادته وتطلق له اليد الطولى في سرقة وتصحير المجتمعات واستلاب حق الحياة والحرية والكرامة، أي تبرير يعني إخماد الحرائق التي استوقدت أجساد شهدائنا وأحجار بيوتنا ومقل أعياننا وانتاج شكل مشوه عن مستبدٍ يعاد انتاجه ونتمنى في دواخلنا أن يكون قد تغير وأجبر ذاته أن تكون أكثر تحضرا.