التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

لماذا لا يسمح الحكم الإسلامي بالتبشير؟!

أضيف بتاريخ ٠٩/٢١/٢٠١٧
مصطفى صالح


من المناقشات التي تثار في الحديث عن وجود دولة إسلامية، موضوع السماح لأصحاب الديانات الأخرى بالدعوة لدينهم. يقول الرأي الآخر أن الغرب يسمح للمسلمين وغيرهم بحرية الدعوة لدينهم فلماذا لا يجب للآخرين الدعوة لدينهم تحت حكم إسلامي؟!

والحقيقة، أن مناقشة المشكلة لا تبدأ من تلك النقطة ولكن من قبلها، وهو الفرق بين الدولة القومية والإسلامية. فهوية الدولة هو محور بناءها وعماد قيامها الأساسي وهو ما يجعل مجتمعها "مجتمع" بتعريف علم الاجتماع، وهو المبادئ التي اجتمع عليها الناس فتنشأ بهم دولة. ذلك المحور يكون هو "الصمغ" الذي يربط أفراد الدولة ببعضهم ليكوّن منهم مجتمعًا.

فالدول القومية التي نعيش فيها الآن تقوم على محور الهوية القومية، فتقوم على أرض لها حدود مرسومة على الخريطة وأعلام رسمية تحدد تميّزها عن غيرها. فتسمح الدولة بحرية الحركة فيم لا يهدد بناءها ووحدتها وقوتها. فالدول القومية لا تسمح بولاءات أفرادها لبلاد أخرى بما يقوّض من الدولة. فمثلا كل دول العالم تحصر إشغال المناصب الحساسة لأصحاب جنسيتها فقط. وتحظر رفع أعلام دول أخرى مثلًا في مناسباتها الرسمية، بل وحتى بعض الدول لا تسمح برفع أعلام دول أخرى في غير مناسبات رسمية. فمثلا - وكمثال قريب - منعت مدن ألمانية مواطنيها من أصول تركية من رفع أعلام تركيا بعد فشل الانقلاب التركي، حتى ولو كان رفع العلم في شرفة بيت المواطن الخاص.

وبعض الدول القومية - والتي يضرب بها المثل في الحرية - لا تسمح حتى بتبني أفكار سياسية معينة تمثل دولة أخرى، فعلى سبيل المثال، القانون الأمريكي يسمح بسجنك لو انضممت لحزب شيوعي أو دعوت لحزب شيوعي أو حتى أظهرت دعمك للأفكار الشيوعية (قانون السيطرة على الشيوعية لسنة 1954). بل أن هناك المئات ممن تم القبض عليهم وسجنهم في الولايات المتحدة أيام الحرب الباردة بتهمة انتماءهم الفكري للشيوعية، لكونه فكرًا مضادًا للهوية التي تقوم عليها الدولة ويهدد استقرارها. ونوعاً ما، إجراءات كتلك مفهومة من دول تسعى للحفاظ على وحدتها القومية وما يمثل وحدة مجتمعها.



وحتى مسألة نشر الدين في الدولة القومية لها حدود، فسماح الدولة بنشر الأديان مشروط ببقاء تلك الأديان علمانية محبوسة في أماكن العبادة ولا تخرج للشارع تنظّم للناس تعاملهم وعلاقتهم ببعضهم وبالدولة. فإن خرجت دعوة أي دين عن تلك العلمانية؛ فستتم محاربتها ومنعها لأنها ستؤثر حينها على هوية الدولة ووحدة مرجعيتها.

أما في الدولة الإسلامية فبنية الدولة وهويتها مختلفة تمامًا، فالدولة لا تعارض من أظهر انتماءً ثقافيًا لبلد معيّن، فالصحابة قد تسمّوا ببلادهم كـ "سلمان الفارسي" و"صهيب الرومي"، فالانتماء الثقافي لا يدين الشخص طالما كان متمسكًا بقيم المجتمع الإسلامي وبما لا يخل باستقرار الدولة. وكم من الأشخاص في التاريخ الإسلامي حكموا بلادًا لم يولدوا فيها دون أن يرفضهم المجتمع أو يثور عليهم لذلك. 

إن المجتمع الإسلامي يكفل حرية العبادة لغير المسلمين ويحمي بيوت عبادتهم، وحقّهم في الاحتفال بأعيادهم وإقامة صلواتهم وطقوسهم، ولكن لا يسمح بتفكيك أو تهديد ما اجتمع عليه ذلك المجتمع، وجعله عموده وقوامه وبنى به دولة، وهو الإسلام. ولا يسمح بأي نشاط يزعزع ذلك المحور الذي قامت عليه الدولة ويغير ولاء مواطنيها فيضعفها ويفككها. تمامًا كما لا تسمح الدول القومية بأحد داخل أرضها للعمل على تغيير ولاء مواطنيها لصالح دولة أخرى حتى وإن لم تكن معادية، بل قد تحاكم الدول القومية الأفراد بتهمة الخيانة العظمى إن ثبت أنهم يعملون على ذلك.

فالعبرة بالهوية، وأي دولة ترفض أي حركة تؤثر على تلك هويتها، وكما أن القومية هي هوية الدولة الحديثة، تحميها وتقاتل وتضحي من أجلها، فالدين هو هوية الحكم الإسلامي، لا تسمح الدولة بما يهدده ويبدل ولاء مواطنيها لغيره.