التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

السعودية والخطأ الأخير!

أضيف بتاريخ ٠٩/٢١/٢٠١٧
عصام القيسي


بعض اليمنيين يفضل أن يطلق عليها اسم الشقيقة الكبرى من باب التورية. فهي "الشقيقة" الأخت، وهي "الشقيقة" الصداع بالنسبة لهم. وليس من المبالغة القول إن معظمهم ظل ينظر إليها طوال الوقت بوصفها العدو المتكبر الذي لا يريد خيراً لليمن. حتى أولئك الذين أكلوا من خيرها واعترفوا لها بالفضل لم ينسوا ثأرهم معها. أجل إن كثرة كثيرة من اليمنيين تعتقد أن لليمن ثأرا قومياً مع السعودية. ولديهم تراث وافر من المبررات التي يقدمونها لهذا الاعتقاد. بعضهم يبدأ سرديته من حربها مع اليمن في العام 1924، التي انتهت بضم السعودية لمناطق عسير ونجران وجيزان ذات الأصول اليمنية كما يعتقدون. في حين يفضل القوميون المتعصبون منهم العودة إلى بداية ذات طابع أسطوري، تسمى الصراع بين القحطانية والعدنانية.

والطريف أن هؤلاء الأخيرين لا يتنبهون إلى الخديعة الكامنة في هذه التسمية. حيث تحمل كلمتا قحطان وعدنان منظوراً معادياً لليمنيين. مع أنهما كلمتان يمنيتان على الأرجح، كما تدل ألف ونون التعريف اليمنية القديمة في نهاية الاسم. فقحطان هي القحط، وعدنان هي العدن. ومثلهما شمسان وعيبان وهمدان وخولان إلخ. ولا ندري كيف وقعت هذه المفارقة! كيف أصبح القحط الدال، في الفصحى، على الجوع والفقر والعوز اسماً لجد اليمنيين، والعدن الدال على الخير والنعيم، وجنات عدن، اسما لجد القبائل النفطية! ولعل التحيز الكامن في هذه التسمية يكشف عن هشاشة الأصل التاريخي للأسطورة، خاصة وأن الكتب السماوية التي أرخت للمنطقة لم تذكر هاتين الكلمتين. والذي ذكر منهما في النقوش الأثرية محدود جدا ولا دلة فيه على مضامين الأسطورة. ولا ندري شيئا عن أصولها عند النسابة.

بالعودة إلى صلب موضوعنا يمكننا القول إن لدى اليمنيين، أو معظمهم، تراث من الوجع مع الجارة السعودية، له بداية وليس له نهاية. إلا أن الكثير منهم كان على استعداد لطي هذه الصفحة، والبدء بصفحة بيضاء جديدة مع مجيء الملك سلمان وبداية عاصفة الحزم. لقد بدا لهم في الوهلة الأولى أن قيادة المملكة عازمة على تصحيح استراتيجيتها وخطاياها السابقة تجاه اليمن. وخصوصاً خطيئة قتل الرئيس اليمني المحبوب إبراهيم الحمدي، التي شارك فيها عمليا الرئيس المخلوع علي صالح، باتفاق مع المحلق العسكري السعودي آنذاك في اليمن، كما تقول روايات الشهود وتسريبات الوثائق الأمريكية. أما بعض المحسوبين على النخبة اليمنية فيعتقد أن أقسى طعنة وجهتها السعودية لليمن هي طعنة علي عبد الله صالح نفسه. فقد أسهمت السعودية بقوة في تنصيبه رئيساً لليمن. لما رأت، بحدس الخبير، أنه الشخص المناسب لإعاقة التنمية في اليمن وتدمير الدولة وخيانة الجمهورية. وهي الثمار التي تحققت على يديه بنجاح كامل.

ومع ذلك فقد كان لدى معظم النخبة اليمنية المتعلمة، التي أشعلت ثورة 11 فبراير 2011، استعداد نفسي كامل لطي هذه الصفحة السوداء مع المملكة السعودية، إذا أحسنت هذه الأخيرة التصرف في معركة اليمنيين الكبرى مع انقلاب الحادي والعشرين من سبتمبر 2014. بل إن بعضهم علق على القيادة الجديدة في السعودية آمالا قومية كبيرة لمواجهة التحديات والمخاطرة المحدقة بالأمة العربية كلها. وتصدوا بكثير من الخجل لحملة التشكيك في النوايا السعودية التي كان يرددها الانقلابيون، بناء على ما يعرفونه من تاريخ المملكة واستراتيجيتها السياسية تجاه اليمن.

لقد أدركت هذه النخبة اليمنية إن فرصة التغيير التي خلقتها ثورة فبراير لن تتكرر بسهولة في مستقبل اليمنيين. وأن ما بعدها سيختلف نوعياً عما قبلها. فإما يمن جمهوري اتحادي ينعم بالخير والتنمية، وإما يمن ممزق محطم يحكمه الاستبداد لعقود طويلة. ولهذا فإن الوقوف مع اليمنيين لتحقيق حلمهم في هذه اللحظة الفارقة سيعد جميلا تاريخياً بالنسبة لهم. وهم الآن يضعون أياديهم على قلوبهم خوفا من أن ترتكب السعودية خطئية أخرى بخذلانهم في المعركة مع الانقلاب. ستكون بالنسبة لهم هي أم الخطايا، بل الخطيئة الأخيرة. لأن السعودية لن تتمكن بعدها من استعادة ثقة اليمنيين مهما فعلت. وسيكون المستقبل بالنسبة لهمم عبارة عن محطة انتظار للثأر منها تحت أي راية يقذف بها المستقبل، وما أكثر الرايات والخصوم المحدقين بالسعودية.

سترتكب السعودية خطأ جسيما في حق نفسها قبل اليمن إذا ما قررت التفكير بإعادة نظام المخلوع صالح إلى السلطة، بعد كل التضحيات التي قدمها اليمنيون في سبيل التغيير والنهوض. وسيكون من الغباء التعويل على هذا النظام في لجم طموحات اليمنيين وثاراتهم. حتى لو تمكن هذا النظام على المدى المتوسط من احتكار القوة المادية في اليمن. فهذه المعالجات التقليدية في كبت الشعوب وتكبيلها ما عادت مجدية في ظل الشروط التاريخية الحديثة. وخير للجارة السعودية أن تساعد اليمنيين في تحقيق حلمهم المشروع بإيجاد دولة النظام والقانون والتنمية. لأن هذا وحده كفيل بتحقيق الرضا لديهم. واليمني إذا رضي نسي الإساءة ورد الجميل.