التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

بين اللجوء والمخيم حكاية

أضيف بتاريخ ٠٩/٢١/٢٠١٧
محمد عبد الله


مِنْ بين أزقة المُخَيَّمَات حِكَايات لم تُسْرَد وأحْلامٌ لم تُرَاوِدنا وعَيْش تَحْتَ سقف، لمْ تَرّتَضِيه أنفسنا، أن تعيش في مُخَيَّمْ مكتظ بالسكان، حيث تتلاصق المنازل ببعضها فلا وجود للخصوصية، المخيم حيث الخدمات التي لا تصلح ولا ترقى لأي مستوى من الإنسانية، المخيم من وجهة نظر اللاجئ كلمة جامعة تجمع ألوان العذاب وأصناف المعناة، تجمع الظلم والتشرذم والضياع، كَنْتُ صَغِيراً تَرْبِيت وتَرَعْرَعْت في أحضان المُخَيَّم وبين أزقته وشوارعه الضيقة التي تكاد تتجاوز المتر عرضا، أستغرب كيف كُنَّا نلعب كرة القدم وكيف نجوب شوارعه، المخيم كان في صِغَرْي ّ شيء كبير وما زال،  لكن ليس حباً بطبيعة العيش فيه إنَّما لِذكْرَياتي فيه فقط.
  
 لمْ أكن أعِي ولم أكن أعلم أن هذا المُخَيَّم هو مُخَيَّم لُجُوء فَكَبِرْتُ وعلمت أن هذا المُخَيَّم عبارة عن مرحلة وسنرجع لبلادنا الأصلية حيث المروج والكروم حيث الطبيعة الغَنَّاء حيث الماء والهواء حيث الحرية والكرامة، لكن قد طالت غيبتنا وطال انتظارنا، فجدي الذي هُجّر منها وهو ابن الثامنة عشر قد جاوز الثمانين ورحل إلى ربه حَالماً بالعودة. مُهَاجِر أو لاجئ كلمة رافقتني منذ ان التحقت بمدارس الغوث وتشغيل اللاجئين وإلى اليوم تلاحقني وأحاول اجتيازها لكنها الحقيقة التي لا مفر منها.
 
فكلمة مُهَاجِر تعني للوهلة الأولى أنك ارتَضَيّت الهِجْرَة وعند سماعك قول الله في آياته " وإني مهاجر الى ربي سيهدين" تعرف من مُقتضى الآية أن الهِجْرَة عِبارة عن هجْرَة طوعية اختيارية، إن الفلسطيني الذي هاجر من وطنه تحت القصف والمدافع تحت أسراب من الطائرات تَفْتِك به صباحاً ومساء وهو لا يملك شيئاً يُدَافِع به عن نفسه، هو في الحقيقة مُهَجْر وليس ُمهَاجِر فهذه الكلمة عندما تُسْقَط علينا كوننا فلسطينيين أرفضها، كَبُرت وعندما قَلَّبْتُ صَفَحَات تاريخ هِجْرَتِنَا رأيت تخاذُل أُمَتِنَا وتقاعس العرب عن نجدتنا بلّ علمتُ بأطماعهم في دولتنا. 
 
علمت عندما كَبُرت تخاذُل الجَامِعَة العربية وأعضائها في رفض فكرة إنشاء دولتنا وتحالف بعض الدول العربية مع الانتداب البريطاني وفرض القرارات والصكوك لصالح الجمعيات الماسُونِيَّة بِغطاء من بريطانيا آنذاك، هذا لم يطفح إلى الإعلام في حينه لأنه كإعلام اليوم متخاذل ومتعاون أو لأن المصلحة الحالية تقتضي ذلك فمجزرة دير ياسين لم تَخْتَلِف كثيراً عن مجزرة حَمَاة وأوضاع اللاجئين في لبنان لَتُنْذِر بِشُئم الواقع وحقيقةٍ مُرَة تُدْمِيّ القلب والعين.

"بلادي بلادي بلادي يا أرضي يا أرض الجدود فدائي يا شعبي يا شعب الخلود"، كنت في صَبِيحَة كُل يوم أردد النشيد الوطني الفلسطيني رافع الرأس شامخ الهامة معتزاً وحالي حال كُل فلسطيني يَعْتَز بهويته وبوجوده والحفاظ على وجوده، فالفلسطيني لمْ يُعْدَم وَطَّن ولمْ يُعْدَم هوية، فنحن نعتز بهويتنا وأصالتنا الكنعانية واليابوسية والعربية فنحن لنا ثقافة متراكمة منذ آلاف السنين نحتفظ بها ونمارسها و نورثها أيضا. فثوب جدتي المزخرف والمُطَرّز بالأصالة الفلسطينية، هذه الجدّة التي رُبَما لمْ تكن تعلم وهي تَحِيك وتُطَرِز هذا الثوب أن مع كل نَقْشَة وتَطْرِيزّة كانت تَنْقِشُ في صفحات قُلوبنا حُب هذا الوطَّن، فالدبكة الفلسطينية والميجانة وزريف الطول وغيرها، هي ثقافة لا يطويها النسيان بَلّ ومازال يَعْشَقُهَا هذا الجنان.
 
لمْ أُعَاصِر الانتفاضة الأولى ولكني عاصرت الانتفاضة الثانية ورأيت كيف ان هذه الأزقة التي ووَسِعَتْنا لِنَلْعَب كُرة القدم كيف وَسِعَت وخدمت المجاهدين، ورأيت شوارع المخيم مخضبة بدماء الشهداء تفوح بقيمة سامية ومكانة عالية من الوفاء والتضحية عشت في المخيم مع أطفال تَرّكُض خلف دَبَابَة مُمسكين بِحجارة وقنابل حَارِقة كانت تُسَمَّى "المَلَتُوفْ" في المُخَيَّم أشياء كثيرة تميزت بِطابع من المغامرة في الغالب، فذهابي إلى المدرسة كان مغامرة وذهابي الى البيت كان مغامرة، في المدرسة كان هناك بابين باب رئيسي وباب مُخَصَّص للطَّوَارِئ حين نسمع القصف وزخات الرصاص تَضْرِب وتَفْتِك بِالمَنَازِل التي حَوْلَنَا نَخْرُج وبوضّعيات قد عَلمونا إياها مُسْبَقاً لِنَتَفَادى الرصاص بالرأس.
 
بعد اجتياح جنين نظرت إلي الشاشة لأشاهد طفلة فلسطينية فوق بيتها الذي قد سِوِيّ بالأرض فيسألها المذيع عن حب المخيم وبما تفدي المخيم لتقول وفي عينيها ترى النار تأكل بعضها بعض أفديه بروحي المخيم ووجهت كلمة لشارون رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها قالت فيها : " سنعيش صقوراً طائرين ونموت اسوداً شامخين"  في المخيم أطفال بعمر الزهور تُسرق أحْلامُهُم بِطَلق طائش كما يقال، وحين نلعب لعبتنا الشهيرة " يهود وعرب" لم أكن أدري أنها تجسد واقع وتروي قصص لمْ تستطع وسائل الاعلام أن ترويها فالحديث عن المُخَيَّم يَطّول وسَرد قِصَصّه تَكاد لا يَسعها مقال أو كِتاب.
 
لِنستطرد قليلا، فالشعب الفلسطيني المهجر والقابع تحت غطرسة الاحتلال الإسرائيلي ولؤم وموت الضمير العربي والعالمي يعرف جيداً مُعاناة من يقاسي الآن ويلات التشريد والتذبذب بين الدول، فالشعب السوري البطل يموت في الشتاء برداً والبحر غرقاً وفي الداخل حرقاً تحت نار وجحيم القصف السوري والروسي، فالبحث عن حياة لا تتطلع لأدنى حق من حقوق الإنسانية أصبحت مَطلب للاجئ السوري.  وفي نهاية المطاف نقول وأهم من يظن أن الشعب الفلسطيني يرضى بغير أرضه أو يتنازل قدر أُنْمُلَة عن حقه، فهذا الطفل الذي تربى في أحضان المخيم وعاش مَرَارة التهجير والحروب لا يُنْتَظّر منه إلا أن يكون وحشاً قاسياً يدك أعداءه في كل مكان تحت أي سماء وفوق أي أرض.