التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

الأندلسيات الأطلسية بالصويرة

أضيف بتاريخ ١١/٠١/٢٠١٧
و م ع - سمير لطفي


الصويرة - يعتبر مهرجان الأندلسيات الأطلسية بالصويرة، الذي نظمت نسخته ال 14، في الفترة مابين 26 و29 أكتوبر الجاري في جو احتفالي سادته المحبة والإيخاء، فضاء للالتقاء والتغني بقيم المحبة والسلم والتسامح والتعايش، في ظل عالم أضحى يشهد مزيدا من الاضطرابات والانقسامات والأزمات.

ويشكل هذا الموعد السنوي، لحظة استثنائية تجعل من مدينة الرياح رمزا للوحدة والتقاسم حول القيم الكونية للسلام والعيش المشترك واحترام الآخر دون الالتفات للانتماءات الدينية والعرقية والجغرافية، ليعكس بذلك قيم الانفتاح التي تأسست عليها مدينة الصويرة.

ويتسم هذا المهرجان بقدرته على جمع فنانين مسلمين ويهود ومن ديانات أخرى ، جنبا إلى جنب، للغناء وفي تناسق مثير للاعجاب وأخوة مثالية لتقاسم القيم الكونية، ليجسدوا وبوضوح أن الثقافة والموسيقى تظلان وسيلتان لا محيد عنهما لتحقيق التقارب بين الشعوب.

وقد استطاع هذا المهرجان، الذي أحدث سنة 2003 بمبادرة من جمعية الصويرة موكادور الرائدة في العمل الثقافي بمدينة الرياح، وعلى غرار ملتقى "ربيع الموسيقى الأليزيه"، ومهرجان "كناوة وموسيقى العالم"، إضفاء سحر خاص على المدينة ومنحها دينامية متميزة، من خلال تسليط الضوء على التاريخ الغني والحضارة العريقة لهذه المدينة المغربية.

ويأتي التأكيد على هذا المنحى، في كتاب " الصويرة موكادور.. العشق المشترك" لمؤلفيه كاتيا أزولاي، وإيلسا روزيليو، وريجين سيبوني، الذي يبرز أن هذا المهرجان الذي يشكل إحدى المواعيد الثقافية المتميزة على الصعيد الوطني والدولي، يأتي ليعزز الحركة الثقافية التي تشهدها مدينة الصويرة إلى جانب مهرجاني كناوة وموسيقى العالم، وربيع موسيقى الأليزيه، وكذا لإغناء الهوية الثقافية للمدينة.

وجاء في هذا الكتاب أن مهرجان الأندلسيات الأطلسية يحرص على تثمين تاريخ التراث الأندلسي من خلال الاحتفاء به والتعريف به لدى الجمهور وخاصة الأجيال الصاعدة، مسجلا أن اختيار مدينة الرياح لإقامة هذه التظاهرة لم يكن اعتباطيا، وذلك بالنظر إلى كون الصويرة، وانطلاقا من موقعها الجغرافي الذي يطل على المحيط الأطلسي، كانت، منذ تأسيسها، مكانا للقاءات والتبادل.

وتتجذر الموسيقى والايقاعات الأندلسية بهذه المدينة، منذ الحقب الماضية، حيث لا يخلو أي احتفال بقدوم مولود جديد أو زفاف بالصويرة من الحضور القوي للموسيقى الأندلسية، التي كانت تؤديها فرق غالبا ما تتكون من فنانين من ديانات مختلفة، وهو ما يفسر غنى وتنوع التعابير الموسيقية التي يحبل بها هذا الفن الأصيل والتي تحيل في الغالب على طقوس يهودية وأخرى اسلامية بحكم ما تشهده المدينة من نموذج متفرد في التعايش السلمي بين اتباع الديانتين السماويتين.

 

وبفضل برمجة متنوعة وغنية، أصبح مهرجان الأندلسيات الأطلسية يحظى بمكانة هامة، ليصبح موعدا سنويا لعشاق ومحبي الصويرة والثقافة الأندلسية، يبرز غنى الذاكرة الحية لهذه المدينة التي تعد فضاء للتعايش والتمازج الثقافي والالتقاء بين الديانات، وتتميز بجمالية هندستها المعمارية والحضارية، إذ صنفت منذ سنة 2001، تراثا عالميا للانسانية من قبل منظمة اليونيسكو.

ومن مميزات هذا المهرجان الثقافي والموسيقي، بالإضافة إلى السهرات الموسيقية، تنظيم لقاءات لمناقشة مواضيع ذات طابع آني (الحوار بين الأديان، والتعايش وغيرها ) واستحضار الطقوس الروحية الاسلامية واليهودية.

ولقيت دورة هذه السنة نجاحا كبيرا، بالنظر إلى نوعية الفنانين المشاركين كابن مدينة الرياح عبد الرحيم الصويري، ونجم الموسيقى الأندلسية اليهودية الحبر حاييم لوك رفقة جوق محمد العربي التمسماني بقيادة محمد الأمين الأكرمي، بالإضافة إلى عرض للفنانة رايموند البيضاوية، التي اختارت الصويرة لإعادة احياء القطع الأكثر رمزية للفن الشعبي، وشكوري والملحون، لإبراز غنى وتنوع هذا الفن بالمغرب.

واستمر التنوع في هذه الدورة مع الفنانة مرسيديس رويز، التي اختيرت سنة 2015 نجمة رقصة الفلامنكو باسبانيا، حيث قدمت نموذجا متميزا في إشاعة قيم الحداثة والتعايش، وهي قيم من ثوابت هذا المهرجان، فضلا عن الحفل الاستثنائي الذي جمع بين الحبر دافيد كمناحيم والمطربة الفلسطينية لبنى سلامة، والذي كان عنوانه الأمل والسلام والوئام بين الشعوب.

وعلى نفس الوتيرة، كان الجمهور على موعد مع لقاء بين التقاليد الصوفية المسلمة، والتقاليد الصوفية اليهودية، بحضور منشدين من المدرسة الحاخامية المغربية الأصيلة، من جهة، وفرقة تابعة لأكبر الزوايا الصويرية بقيادة المنشد الحاج مرينة، والتي استطاعت استرجاع لحظات جميلة ظلت موشومة في ذاكرة دروب الصويرة، حينما كانت تمتزج الأصوات المنبعثة من البيع والزوايا ومآذن المساجد لتضفي على أجواء المدينة طابعا روحانيا سمته الأبرز التسامح واحترام معتقدات الآخر.

كما كانت هذه الدورة ، مناسبة للاستمتاع بأصوات مبدعة أتت من عدد من المدن المغربية كزينب أفيلال، وعبير العابد، وفاطمة الزهراء القرطبي، ومروان حجي، فضلا عن فنانين شباب كنهيلة القلعي وشالوم إفري، اللذين أحييا حفلا بدار الصويري للتأكيد على قدرة الجيل الصاعد على حمل مشعل الحفاظ على هذا التراث الأصيل وضمان استمراريته، إلى جانب حضور مجموعة من فرق الكورال، ( كورال أندلسية تحت اشراف عبد الحميد السباعي، وكورال المدارس الأندلسية بالصويرة بقيادة محمد الصديقي، وكورال الأطفال أزهار الأندلس بقيادة رشيد الودغيري).