التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

طفل تونسي يدعو الناشرين إلى توفير قصص مكتوبة على طريقة براي حتى يقرأها "ليعيش مرتين"

أضيف بتاريخ ٠٤/١٧/٢٠١٨
وات - الأسعد المحمودي


 الكرم - وسط الزحام الشديد الذي عرفه معرض تونس الدولي للكتاب في يومه قبل الأخير، يجر  طفل والدته، ممسكا بيدها، منتقلا بين أجنحة المعرض، وهو يتحس س الكتب وصفحاتها عل ه يظفر بـ "صيد ثمين"، بينما تتحدث والدته مع باعة الكتب عن إمكانية الحصول على إصدارات للأطفال مكتوبة على طريقة براي، حتى يتمك ن ابنها من رؤية العالم الذي أرادت مشيئة الله ألا  يبصره بعينيه.


هذا الطفل المجتهد هو أمان الله بن سالم ( 9 سنوات) الذي يدرس حاليا بالسنة الثالثة في مدرسة النور للمكفوفين ببن عروس (الضاحية الجنوبية للعاصمة). ألح  على والدته أن ترافقه لزيارة معرض الكتاب لاقتناء قصص ك تبت على طريقة "لوي براي" حتى يتمك ن من ممارسة هوايته وهي القراءة "ليعيش مرتين" كبقية المولعين بالقراءة.


بحث أمان ووالدته في مختلف أرجاء المعرض عن قصص مكتوبة بطريقة "براي"، لكنهما لم يحصلا على ما جاءا من أجله. وقادتهما الصدفة إلى جناح مخص ص للجمعية التونسية "إبصار" لثقافة وترفيه ذوي الإعاقة البصرية، وهو جناح صغير جد ا، لا يتضم ن إلا نسخا معدودة من كتاب القرآن الكريم ونسخة من الدستور وبعض المجلات القانونية وآلة رقن قديمة خاصة بذوي الإعاقة البصرية وبعض العصي  البيضاء.


لم يكن الطفل أمان الله يتوق ع أن يظفر بإصدارات مكتوبة بطريقة "براي"، فراح يتحس س بعضها بكلتا يدي ه، وكأنه أمسك بصيد ولا يريد أن يفلت من يده. ومن فرط بهجته، راح يقرأ محتوى الكتاب بشغف، عندها أيقن بعض الحاضرين في هذا الجناح أن الكتاب هو القرآن الكريم.


تقول والدته، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، والغضب يتمل كها، إن حقوق ذوي الإعاقة البصرية ظل ت حبرا على ورق خاصة أنه "لم يجر  تطبيقها إلى الآن".


وتحد ثت والدة أمان الله عن غياب الكتب المطبوعة على طريقة "لوي براي" في المعرض، مشد دة على حاجة أمان الله وبقية الأطفال في مثل وضعيته البصرية، إلى هذه القصص والكتب ليطو روا مهاراتهم ومعارفهم في المجال الأدبي والعلمي.


وطالبت بتمتيع ابنها وبقية الأطفال من ذوي الإعاقة البصرية بحقوقهم كاملة ومساواتهم ببقية الأطفال في حقهم في القراءة وتوفير كتب من أصناف مختلفة. ولم تتمالك والدة أمان الله نفسها حيث أجهشت بالبكاء، بعد أن أصر  ابنها على مواصلة البحث عن القصص المخصصة لذوي الإعاقة البصرية، لكنها للأسف غير متوف رة في المعرض، و"لم يفك ر الناشرون في عرضها يوما، لأنها لا تدر  عليهم أرباحا، رب ما"، وفق تقديرها.


 ستون ألف تونسي يحملون إعاقة بصرية


موقف والدة أمان الله من عدم اهتمام الناشرين بحاملي الإعاقة البصرية، يؤي ده أيضا رئيس الجمعية التونسية "إبصار" لثقافة وترفيه ذوي الإعاقة البصرية محمد المنصوري، إذ دعا الناشرين إلى الاهتمام بهؤلاء الأشخاص، مؤك دا على أن القصص والكتب العلمية والأدبية وكتاب القرآن ستجد رواجا لدى هذه الفئة التي تضم  موظفين في قطاعات عمومية وخاصة، إلى جانب أكثر من 500 طالب بالجامعات التونسية، وتلامذة في 7 مؤسسات تربوية .


وبي ن أن عدد المواطنين التونسيين الحاملين لإعاقة بصرية في تونس يبلغ حوالي 60 ألف شخص، مشد دا على أن من حقهم على الدولة أن توف ر لهم كتبا للقراءة والاستفادة منها.


ونقل عن ذوي الإعاقة البصرية حرصهم على التمتع بحقهم في النفاذ للكتاب والمعلومة، وهو ما سيمكنهم من ممارسة هواية المطالعة أولا وكذلك من تيسير إدماجهم في المجتمع وصقل مواهب عدد منهم في مجال الكتابة الأدبية والشعرية.


يقول محمد المنصوري إن جمعية "إبصار" تشارك في معرض تونس الدولي للكتاب للمرة الرابعة على التوالي . وتهدف هذه المشاركة، بالأساس، إلى توعية العموم بحق الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية للنفاذ للكتاب والمعلومة، وكذلك للتأكيد على أن الأشخاص الحاملين لإعاقة بصرية هم أيضا يقرؤون ويهتم ون بالكتاب.


أنامل تطالع


تعمل جمعية "إبصار" على طباعة كل الكتب القانونية "الأساسية" بكتابة براي مثل مجلة العقود والالتزامات والمجلة الانتخابية التي تمت طباعتها بتمويل من وزارة المرأة والاسرة والمسنين.ويمكن للراغبين في الاطلاع على هذه الإصدارات بكتابة براي الاتصال بجمعية ابصار 10 شارع هولندا بتونس العاصمة. 


وأوضح رئيس الجمعية أن "إبصار" توفر انخراطات للراغبين في الحصول على هذه الاصدارات والاطلاع عليها، في شكل إعارة، ولا تتجاوز قيمة الانخراط سنويا عشرين دينارا يتمكن بفضله كل فرد من الحصول على كتاب أو أكثر كل شهر.  وقال إن الجمعية وزعت في السابق نسخ كتاب القرآن التي تحصلت عليها في شكل هبة على أكبر عشر جوامع في تونس منها جامع الفتح وجامعسيدي محرزوجامع الزيتونة وجامع صاحب الطابع إلخ.


وأفاد بأن الجمعية سعت إلى تنويع الكتب المخصصة لذوي الاعاقة البصرية، رغم ضعف إمكانياتها المادية، مبرزاارتفاع تكلفة طباعة الكتب على طريقة "براي"، إذ تبلغ حوالي 6 أضعاف الكتاب العادي لأن هذا النوع من الكتب يكون في حجم أكبر.


وفي حديثه عن المشاريع الجدية للجمعية زف خبرا مفرحا لأمان الله ووالدته ، حيث تعمل "إبصار" على تنفيذ برنامج "أنامل تطالع" الرامي إلى التشجيع على مطالعة الكتاب التونسي المكتوب بطريقة براي. 


ويتمثل المشروع في طباعة عشرين كتابا من الأدب التونسي ستكون جاهزة في موفى سنة 2018 منها "المنبت" و"حدث ابو هريرة قال" و"السد" و"القنطرة هي الحياة" و"المنعرج" و"سهرت منه الليالي" و"الدقلة في عراجينها".


هذا المشروع هو نتاج مسابقة نظمتها وزارة الشؤون الثقافية وشاركت فيها جمعية "ابصار" وقد نالت الفكرة استحسان اللجنة وتم توقيع عقد بين الجانبين للانطلاق في تنفيذ المشروع. ومن المنتظر أن تنتفع به الثلاث مدارس المخصصة لتدريس المكفوفين بكل من بئر القصعة وسوسة وقابس، وستمنح كل مدرسة خمسة نسخ من كل عنوان من الاصدارات العشرين. 


الكتاب الصوتي 


في اليوم الذي كان فيه الطفل أمان الله يبحث عن كتب مخصصة للمكفوفين، نظمت الهيئة المديرة لمعرض الكتاب بالاشتراك مع المركز الجهوي للديمقراطية والمواطنة والتنمية بنابل، لقاء  خصص لتقديم مشروع هذا المركز الرامي الى تطوير القراءة لدى حاملي إعاقة بصرية، وكذلك لدى غيرهم ممن يجدون صعوبات في القراءة والتعل م.


وينشط في هذا في المركز فاعلون في المجتمع المدني وجامعيون، انطلقوا في مشروع تسجيل الكتب الصوتية بمشاركة مندوبيات جهوية للتربية ومركبات شبابية ووحدات تأهيل اجتماعي. 


ويهدف هذا المشروع الموجه لحاملي إعاقات بصرية، إلى تمكين هذه الفئة من النفاذ إلى الكتاب، والاطلاع على مختلف المصادر المعرفية والثقافية.


ويتمث ل المشروع، وفق رئيسة المركز الجهوي للديمقراطية والمواطنة والتنمية بنابل إيمان إسماعيل، في تسجيل كتب صوتية وطباعة كتب على طريقة "براي" وتوفير آلة لطباعتها. وسيشمل المشروع طلبة الجامعات وتلاميذ المدارس من حاملي الإعاقة البصرية.


وبي ن نزار الشبعان، الناشط في المجتمع المدني، أن مشروع الكتاب الصوتي الموجه للمواطنين من حاملي الإعاقة البصرية، يتمث ل في تسجيل قصص وكتب متنوعة، تستجيب لمعايير محد دة كعملية النطق التي ينبغي أن تكون واضحة ودقيقة، وأن تكون القراءة مفص لة للقص ة كذكر العنوان وعدد الصفحات، قبل عملية القراءة، كما يجب أن يكون تسجيل الكتاب بجودة عالية، باستخدام تقنيات تسجيل صوتي متطو رة. وستشرف على عملية القراءة هذه لجنة تضم  أكاديميين مختص ين في اللغة.


وفي انتظار استكمال مشروع الكتاب الصوتي وصدور قصص نتاج مشروع "أنامل تطالع" يعود أمان الله بن سالم من زيارته لمعرض تونس الدولي للكتاب للسنة الرابعة على التوالي، منكسرا وخائب الأمل. "أمل خي به تقصير الدولة في توفير هذه المستلزمات من الكتب"، على حد  تعبير والدته، وليست الدولة وحدها المسؤولة عن خيبة الطفل أمان الله، بل الناشرون الذين لم يفك روا إلا في فئة دون أخرى.


ويأمل أمان الله وغيره من حاملي الإعاقة البصرية، أن تطب ق الدولة ماجاء في الفصل 48 من دستور 27 جانفي 2014، الذي ينص على أن "لكل مواطن ذي إعاقة الحق في الانتفاع، حسب طبيعة إعاقته، بكل التدابير التي تضمن له الاندماج الكامل في المجتمع، وعلى الدولة اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لتحقيق ذلك".