التعليقات

No comments
كن أول من يرسل تعليق
BLOG.MA

الصديق : فريدريك نيتشه

أضيف بتاريخ ٠٣/٠٢/٢٠١٨
فريدريك نيتشه


يقول المنفرد في نفسه " لا أطيق وجود أحد بقربي " ولكثرة ما يقف محدقاً في ذاته تظهر التثنية فيه ، ويقوم الجدال بين شخصيته وبين ذاته فيشعر بالحاجة إلى صديق .. وما الصديق للمتفرد إلا شخص ثالث يحول دن سقوط المتجادلين إلى الأغوار كما تمنع المنطقة المفرغة غرق العائمين .
ان أغوار المنفرد بعيدة القرار ، فهو بحاجة إلى صديق له أنجاده العالية ، فثقة الإنسان بغيره تقوده إلى ثقته بنفسه ، وتشوقه إلى صديق ينهض أفكاره من كبواتها .
كثيرا ما يقود الحب إلى التغلب على الحسد ، وكثيرا ما يطلب الإنسان الاعداء ليستر ضعفه ويتأكد امكانه مهاجمة الآخرين .
من يطمح إلى اكتساب الصديق وجب عليه أن يستعد للكفاح من أجله ، ولا يصلح للكفاح إلا من يمكنه أن يكون عدواً .. يجب على المرء أن يحترم عداءه في صديقه ، إذ لا يمكن أن تقترب من قلب صديقك إلا حين تهاجمه وتحارب شخصيته .
أنت تريد الظهور أمام صديقك على ما أنت عليه هاتكاً كل ستر عن خفايا نفسك ، فلا تعجب إذا رأيت صديقك يعرض عنك ويقذف بك إلى بعيد .
من لا يعرف المصانعة يدفع بالناس إلى الثورة عليه ، فاحذر العري ، يا هذا لأنك لست إلهاً ، والآلهة دون سواهم يخجلون من الاستتار .
عليك بارتداء خير لباس أمام صديقك ، لتهيب به إلى طلب المثل الأعلى: الإنسان المتفوق .
أفما تفرّست يوماً في وجه صديقك وهو نائم لترى حقيقته ؟ أفما رأيت ملامحه إذ ذاك كأنها ملامحك أنت منعكسة على مرآة مبرقعة معيبة ؟ أفما ذعرت لمنظر صديقك وهو مستسلم للكرى ؟
ما الإنسان ، أيها الرفيق ، إلا كائن وجب عليه أن يتفوق على ذاته ، وعلى الصديق أن يكون كاشفاً صامتاً ، فامسك عن النظر علناً إلى كل شيء مادمت قادراً في غفلتك على كشف كل ما يفعله صديقك في انتباهه .. عليك أن تحل الرموز قبل أن تعلن إشفاقك ، فقد ينفر صديقك من الإشفاق ويفضل أن يراك مقنعاً بالحديد وفي عينيك لمعان الخلود .
ليكن عطفك على صديقك متشحاً بالقسوة وفيه شيء من الحقد ، فيبدو هذا العطف مليئا بالرقة والظرف .
كن لصديقك كالهواء الطلق والعزلة والغذاء والدواء ، فان من الناس من يعجز عن التحرر من قيوده ولكنه قادر على تحرير اصدقائه .
دع الصداقة إذا كنت عبداً ، وإذا كنت عاتياً فلا تطمح إلى اكتساب الأصدقاء .
.................
نيتشه _ هكذا تكلم زرادشت ، ترجمة: فليكس فارس
فصل : الصديق ص 45-46